* لم يعد سؤال اللحظة: هل مصر في خطر.. أو ما درجة هذا الخطر بل صار الأهم: كيف تخرج مصر من تلك الأزمة الطاحنة.. وكيف تعبر ذلك الظرف التاريخي الصعب. وكيف تضمد الجراح.. وكيف تصنع التوافق الوطني الذي يعلي المصالح العليا للبلاد علي ما سواها من أهداف ومصالح ضيقة فئوية أو فردية..؟!
ملامح المشهد الحالي ذهبت إلي ما بعد الارتباك والفوضي والغموض.. فثمة انفلات متزايد في اتجاهات متعددة » أمنياً وإعلامياً وسياسياً.. وهو ما يخلق خوفاً عاماً تتصاعد درجاته ليس علي المستقبل فحسب. بل علي اليوم قبل الغد.. فثمة من يري ما يحدث فتنة مدبرة. ومؤامرة تتشابك خيوطها لتضييق الخناق علي مصر لئلا تقوم لها قائمة.. وتتعدد أطراف تلك المؤامرة ما بين عناصر في الداخل وقوي في الخارج.. لا تريد لمصر استقراراً. ولا انتقالاً آمناً نحو الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية.. ثمة من يموِّل ومن يحرّض ومن ينفذ.. ولا يمكن أن يكون بين هؤلاء أو أولئك من يحب هذا البلد أو يحرص علي مصالحه. فقد باعوا أنفسهم للشيطان. وشروا وطنهم بثمن بخس دراهم معدودات..!!
* حادثة أو بالأحري فاجعة استاد بورسعيد ليست مجرد حادث عابر. بل هي نكبة وكارثة أدمت ضمير الوطن. وأوجعت قلوبنا جميعاً. وبددت مشاعر الأمن والأمان التي أرهصت بها الانتخابات الأخيرة التي مرت بسلام دون عنف ولا دماء.. الحادثة عمقت شرخاً كبيراً في بنيان الوطن وجسدت بوضوح ما وصلنا إليه من اضطراب واهتزاز وجنوح وانقسام وتوهان يتحمل مسئوليته كل الأطراف. دون تبرئة لأحد. لا الحكومة ولا الثوار. ولا النخبة ولا الإعلام ولا حتي المسئولين عن إدارة البلاد.. ففضلاً عن تفاقم النزيف. نزيف الدماء والاقتصاد. ثمة تشويه لصورة مصر أمام العالم.. فصورة الاستاد الكارثة جري تداولها علي نطاق واسع في الميديا العالمية. وتوالت بشأنها ردود الأفعال الدولية من كل حدب وصوب..!! ومهما تكن نتائج التحقيقات التي تجريها النيابة العامة. أو ما توصلت إليه لجنة تقصي حقائق البرلمان فثمة مؤشرات تقطع بوجود تقصير وإهمال جسيم ارتكبته الأجهزة المعنية وفي القلب منها أجهزة الأمن.
كل ذلك يدعونا للتساؤل: لماذا ظل الأمن غائباً عن الشارع حتي هذه اللحظة.. ولماذا لا يعوض الجيش هذا الغياب حتي يرتدع البلطجية والخارجون علي القانون.. أليست من مهام الجيش تأمين الحدود والحفاظ علي الأمن القومي للبلاد في الداخل والخارج.. لما تُركت الأمور تزداد سوءاً حتي نقرأ كل يوم حادثا فوضويا غريباً علي مصر » كالخطف والسطو المسلح والهجوم علي الأقسام.. فكيف يشعر المواطن البسيط بالأمن وهو يري المؤسسة الأمنية مستهدفة في سجونها وأقسامها وعرينها.. لماذا لا تعاد الهيكلة والمصالحة بين الشعب والشرطة.. لماذا ندفع بالأمن في مواجهة السياسة. أين الحلول السياسية المبنية علي التوافق.. لماذا لا يكف الثوار عن التظاهر أمام الداخلية علي الأقل » درءاً للمفاسد وسقوط مزيد من الأرواح.. لماذا لا يلتزمون الميدان. ذلك الرمز المبهر. لتظل للثورة جذوتها المشتعلة دون مساس » حتي لا يعطوا الفرصة لاندساس الفئة الضالة التي تبغي الفساد والتخريب وتشويه صورة الثوار الحقيقيين.. من حق الثوار أن يغضبوا لما حدث في بورسعيد وغيرها.. لكن من حق مصر علينا ألا نعرضها للخطر والانهيار والفوضي.. فحين تصرح عناصر ثورية من الميدان والألتراس بعدم وجودها في شارع محمد محمود علي مدي الأيام الماضية.. فمن إذن ألقي بالحجارة والمولوتوف علي الداخلية.. ومن يصر علي إشعال الحرائق وهدم مؤسسات الدولة.. ولماذا لا تلتزم الداخلية بضبط النفس حتي لا تزداد النار اشتعالاً.. ؟!
بالحوار لا التخوين يتحقق التوافق
* لا يخفي علي المراقبين والمهتمين بالشأن الاقتصادي في مصر أن مصر دخلت مرحلة الخطر منذ أشهر عدة. وإذا استمر الوضع علي ما هو عليه فسوف تكون النتائج - لا قدر الله - وخيمة.. فالإفلاس هو الخطر القائم.. وأخشي ما أخشاه أن نصبح أمام تطبيق عملي لقول أحد الصحابة الكرام ¢عجبتُ لمن لم يجد قوت يومه ولم يخرج شاهرا سيفه علي الناس ¢ فالخطر القادم هو ثورة جياع عشوائية بلا عقل.. ولأن استقرار الاقتصاد مرهون بالاستقرار السياسي فلا مفر من التوافق الوطني والمصالحة وتقريب المسافات وإعلان المصالح العليا للبلاد.. وهذا التوافق يتطلب الإرادة والحوار وتغليب مصالح الوطن وترك الانقسام والتخوين .. وقد أعجبني ما قاله نائب البرلمان مصطفي الجندي حين أشار إلي ضرورة حوار الأطراف كلها "الإسلاميين والليبراليين" مع المجلس العسكري ليتوافق الجميع علي ما بقي من إجراءات المرحلة الانتقالية وكيفية ومواقيت وضع الدستور.. حتي يعود الجيش إلي ثكناته كما خرج منها » مرفوع الرأس. بمعنويات مرتفعة وعلاقة موصولة بالشعب لا صدع فيها ولا شروخ.. ليصبح الشعب والجيش "إيد واحدة". وليكف المزايدون والمتربصون بمصر عن إشعال الفتن والمؤامرات.. حفظ الله مصر من كل مكروه وسوء.
تعالوا نبني الجمهورية الجديدة..!!
* الثورة في أبسط تعريفاتها في علم السياسة هي ¢ عملية هدم نظام قديم وبناء آخر جديد ¢. لتحقق به مطالبها التي دعت لقيامها من الأساس.. وليس بعيداً عن ذلك ما قاله إمام الدعاة الشيخ الشعراوي: ¢ الثائر الحق هو من يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد ¢.. لكن ما نراه الآن في ثورتنا المجيدة بعد عام كامل شئ مغاير تماماً. فلا هي أتمت عملية الهدم. ولا هي شرعت في البناء إلا قليلاً. فالبعض يري أن ما سقط هو رأس النظام وبعض رموزه وبقي جسده.. لكن الأغرب من ذلك أن الشعب الذي قام بالثورة وشارك معظم أفراده في هدم وإزاحة النظام القديم هو نفسه الذي يقف بعضه حائلاً دون بناء النظام الجديد. فكيف للثورة أن تتحمل موجات اعتصام وإضراب ومظاهرات وإشعال الحرائق في المنشآت والمرافق العامة.. كيف تجري عجلة الإنتاج والطرق يجري قطعها لأتفه الأسباب وأعظمها. والقطارات يُعطل سيرها. ويحتجز الرهائن والسائحون. ويجري الخطف جهاراً نهاراً وتطلب الفدي وتجري المفاوضات لإطلاق السراح.. كيف يأمن الناس وأقسام الشرطة لا تزال في مرمي الاقتحام والاعتداء وتهريب المحبوسين.. وكيف تصنف تلك الجرائم.. أهي هدم للنظام أم تقويض للدولة ودعائمها.. كيف نبني الدولة الجديدة ومعاول الهدم لا تزال تنهال علي مقوماتها وأسسها.. حتي صدق علينا قول الشاعر: متي يبلغ البنيان يوماً تمامه... إذا كنت تبني وغيرك يهدم ؟!
* كيف يبلغ الثوار أهدافهم وتحقق الثورة مطالبها وسط هذا الانقسام والتناحر والاستقطاب والتخوين والإقصاء..؟!
ألا يسئ ما يجري في الشارع إلي الثورة. ويشوه الثوار الحقيقيين.. ويغير صورتها لدي المواطنين الذي صاروا ينسبون كل مصيبة تقع إلي الثورة التي كانوا فرحوا بها عند قيامها وانضموا إليها. وأسهموا في نحاجها.. لكن ما يجري من اضطراب وفوضي واشتباكات دامية يطرح سؤالاً: هل لا يزال هؤلاء علي قلب رجل واحد يؤمنون بوحدة الهدف والمصير أم أن البعض تململ تحت ضغط الاحتياجات المعيشية التي لم يعد قادراً علي إشباعها لنفسه وذويه.. كيف يرانا العالم الخارجي.. هل لا تزال ثورتنا مبهرة بسلميتها وتحضرها أم أن ما نزف من الدماء والمعارك أفقد العالم إعجابه بنا وبثورتنا حتي صار يرثي لحالنا وما نحن سائرون إليه من مصائر..؟!
* وفي كل الأحوال لا يمكن تجاهل الأسباب التي قادت لما وصلنا إليه من نتائج. وفي القلب منها التلكؤ في إزالة قواعد النظام القديم. والتباطؤ في محاكمة رموز هذا النظام وهو ما يراه الثوار مسلسلاً هزلياً. كان الأجدي في نظرهم إقامة محاكم ثورية منذ اللحظة الأولي حتي لا تضيع أدلة الاتهام أو تجري إضاعتها والالتفاف عليها. ثم يتبع التباطؤ في المحاكمات تباطؤ آخر في استعادة الثروات المنهوبة التي جري تهريبها وإخفاؤها في الخارج. وهي أموال تشتد حاجة مصر إليها بدلاً من لجوئها لاقتراض يحملها أعباء باهظة تتحملها الأجيال الجديدة بلا ذنب..ناهيك تغييب نتائج التحقيقات في حوادث سابقة مثل أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء..!!
* لم يشعر الناس بتغيير ملموس لأن الهدم جري بأيدي شخوص محسوبين علي النظام القديم. ويشاركونه المصلحة في البقاء.. ورغم ذلك فلا ينبغي للجماهير العريضة صاحبة المصلحة في البناء والتنمية أن تستجيب لدعوات تعطيل البناء والعمل. بل ينبغي لها التحلي بالصبر والتمسك بالبناء ورفض التوقف عن الإنتاج. والانخراط في العمل بحماس وقوة باعتباره الطريق الوحيد لتحقيق مطالب الثورة التي علي البرلمان أن يتولي مباشرة تحقيق ما بقي منها باعتباره الممثل الشرعي للشعب.. صحيح أننا تأخرنا في إنجاز البناء المطلوب. وصحيح أيضاً أن المسئولية الأولي تقع في جانب منها علي عاتق من أوكلت لهم الثورة مهمة إدارة المرحلة الانتقالية.. لكن الصحيح أيضاً أن قوي الثورة وأطيافها هي من أعطت المبرر والذريعة لذلك بوقوعها في الخلافات حول قضايا ومسائل نظرية
والسؤال الذي لا مفر من الإجابة عنه: ماذا نفعل لإنقاذ مصر..؟! وهل لا تزال الفرصة سانحة لتفادي مزيد من التدهور لتستعيد الثورة حيويتها ويعود قطارها إلي مساره الصحيح.. التوافق الوطني هو الفريضة الغائبة. ومن دونه لن يمكننا تحقيق شئ في ظل أجواء مضطربة كهذه.. وهو أقصر الطرق وأقلها كلفة.. وبعد التوافق يمكننا أن نعمل فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.. حتي ندرأ عن مصر شر الفتن..!!