المشكلة التي تشغل مصر هذه الأيام هي... القمح.
روسيا بسبب الجفاف والحرائق ألغت كل تعاقداتها معنا بالنسبة لتوريد القمح. بل منعت تصديره تماماً لتوفيره للسوق المحلي الروسي.
وأمريكا أبدت سعادتها. ولا أقول شماتتها بما جري في روسيا. وأعلن فلاحو تكساس ووسط أمريكا أن محصول القمح لديهم يكفي للشرق الأوسط وأنها مستعدة لتصديره.
وموقف فرنسا لم يختلف عن أمريكا. فلديها القمح ومزارعوها يتمنون تصدير ما ينتجونه منه.
وبدأت أسعار القمح ترتفع خلال شهر أغسطس. فالسوق العالمي عرض وطلب. وما دام العرض قليلاً فقد بدأت ترتفع الأسعار.
والحكومة المصرية أعلنت أن الدعم لن يتوقف عن الدقيق وأنها ستستمر في توفير هذا الدعم.
ومعني ذلك أن الحكومة ستتحمل كل زيادة في أسعار القمح المستورد ليبقي سعر الرغيف كما هو.
وبدأ المسئولون في مصر يبحثون عن القمح في كل الدول. ويدفعون الثمن ويتحملون فروق الأسعار مهما زادت.
ولكن..
كان مستحيلاً أن تظل الأمور كما هي عليه.. نستورد القمح ولا نزرع ما يكفينا منه.
وانتقل النقاش إلي نقطة واحدة وهي:
هل نستطيع الاكتفاء الذاتي من القمح؟!
أي هل نستطيع زراعة قمح يكفينا ويغنينا عن الاستيراد؟!
قال الخبراء الزراعيون:
أقصي ما يمكننا أن نزرعه قمحاً من الأراضي الزراعية 3.5 مليون فدان. ونحتاج إلي زراعة 4 ملايين فدان لتغطية 80 في المائة من احتياجاتنا من القمح.
ومعني ذلك أننا لن نزرع قمحاً يكفينا ويغنينا عن الاستيراد.
ورفع أمين أباظة وزير الزراعة شعاراً يقول:
مستحيل الاكتفاء الذاتي في مصر من القمح.
وهذا يعني أننا سنظل نستورد.
وسنظل خاضعين لتغيراته في العالم كله.
وشعار "مستحيل الاكتفاء الذاتي من القمح" أصبح مثار جدل عميق في مصر.
هذا هو السؤال الذي يدور حوله النقاش بين الخبراء الزراعيين وغير الزراعيين.
أتذكر الآن ما فعله السيد أحمد الليثي وزير الزراعة السابق من زيادة إنتاجنا من القمح عامين متتاليين عندما منح الفلاحين ثمناً مجزياً لمحصول القمح فأقبلوا علي زراعته.
باختصار..
أصبحت زراعة القمح هي الموضوع الذي يشغل كل الأذهان في مصر. فإن هذا البلد لا يستطيع أن يظل مصير طعامه في يد دول العالم لتقلبات المناخ فيها.
* * *
الموقف أصبح يحتاج إلي أن ننظر إلي ما فعلته الدول بالنسبة لزراعة القمح.
السعودية زرعت قمحاً يتكلف محلياً أضعاف ثمن المستورد.. ولكنها زرعته.
وسوريا نجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذا المحصول.
والهند التي كانت تستورد كميات ضخمة من القمح توقفت عن استيراده وصارت تصدره.
ولكن الأمر يحتاج إلي تغيير الخريطة الزراعية في مصر بالكامل.
ويحتاج إلي أن نزرع كل فدان يستصلح من الأرض بالقمح.
وجاء نبأ من لندن يشجعنا علي أن نعمل علي تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح.
* * *
نجح العلماء في بريطانيا في فك الشفرة الجينية للقمح.
رسموا الخريطة الوراثية للقمح مما يساعد علي مقاومة أمراض القمح. وأيضاً يمكن إنتاج محاصيل وفيرة الإنتاج بنسبة 50 في المائة.
وقالوا:
القمح الذي أنتجناه بعد فك الشفرة اسمه "القمح الربيعي الصيني".
وأضافوا وأيدهم الخبراء الزراعيون المصريون:
القمح الجديد سيساعد في زيادة إنتاجية القمح في مصر.
ويمكن استنباط سلالات جديدة ذات جودة إنتاجية عالية تقاوم التغيرات المناخية.
باختصار..
مادام إنتاج القمح الجديد سيزيد بنسبة 50 في المائة.
فإن هذا سيغني عن الحاجة إلي زيادة مساحة الأراضي التي تزرع قمحاً.
وبالتالي فإن مسألة الاكتفاء الذاتي من القمح يمكن أن تتحقق ولا داعي لليأس.
ولكن العلماء قالوا:
لابد من تشجيع الفلاح المصري علي زراعة القمح.
ولابد من استغلال الإنتاج الجديد بشكل جيد.
* * *
أصبحت لدينا الآن صورة دقيقة لجميع المعلومات الوراثية عن سلالات القمح.
وهذا الإنجاز العلمي الذي أعلن في هذا الوقت بالذات سيحسم كل نقاش حول الاكتفاء الذاتي من القمح في مصر.
السؤال هو:
هل كان أحد في مصر يتوقع أن يساعد العالم مصر إلي هذا الحد وفي هذا الوقت؟!
الحقيقة أن الخبراء الزراعيين المصريين نجحوا قبل ذلك في استنباط بذور جديدة من القمح تنتج كماً أعلي من حيث الجودة. كما نجحوا في استنباط بذور جديدة من القطن حققت سمعة القطن المصري في العالم.
ولكننا رغبة في التعلق بكل ما هو أجنبي أهملنا خبراءنا الزراعيين المصريين ولم نحفل بإنتاجهم العلمي كما يجب بينما اهتم العالم كله بما حققوه.
الآن..
جاءنا الخبراء الأجانب البريطانيون من جامعة ليفربول بالبشري عن القمح. فهل نهملها ونركن لليأس أم نحاول استغلال ما قدمه لنا العلم ونزرع ما يكفينا.
وحتي يبدأ إنتاج القمح الجديد لمَ لا نحاول زيادة المساحة المزروعة قمحاً بتوفير المياه لها. ومنح الفلاح السعر المجزي للقمح؟!
وهنا لابد من بحث بسيط للغاية..
ما نزرعه ونصدره للخارج كم يدر علينا من عملة صعبة وما ندفعه من عملة صعبة لاستيراد القمح ما هو نسبته. وأيهما أفيد لنا.. القمح أم صادرات زراعية لا تدر أموالاً كافية؟!
الأمر يحتاج إلي حسابات دقيقة.
ويحتاج إلي جرأة وحسم في تحديد ما نزرعه. ولا نترك هذا للفلاح المصري وحده. بل نشجعه علي زراعة القمح.
* * *
كثيرون قالوا:
القمح مسألة أمن قومي ويجب أن يسبق ما عداه.
ولو فكرنا قليلاً أو كثيراً سنجد أن ما حدث في روسيا من جفاف وحرائق يجب أن يفتح عقولنا علي أن قضية القمح وزراعته يجب أن تكون لها الأولوية في مصر.
إن توابع ذلك الزلزال في روسيا استمرت طوال شهر أغسطس ولا تزال مستمرة.
وإذا كانت الحكومة قد قدمت العملات الصعبة لشراء القمح من فرنسا وأمريكا فإنها ستستغني عن شراء أدوات مصانع وقطع غيار ومحاصيل أخري كثيرة.
ولا تستطيع مصر أن تتحمل كل فترة أزمة مفاجئة من هذا النوع.
وإذا كان ممكناً حتي بدون فك الشفرة الجينية للقمح فإنه بعد تلك الشفرة أصبح كل شيء ممكناً.
وعلينا ألا نخاف من الاكتفاء الذاتي للقمح. دول أخري فعلته. ونحن أولي بأن نفعل!
|