خواطر عربية بقلم : عبدالعال الباقوري في واشنطن .. أوباما يراهن علي نتنياهو !
تبدأ صباح اليوم. بتوقيت واشنطن. وعند الظهيرة بتوقيت القاهرة. الجلسة الأولي في المفاوضات المباشرة المستأنفة الفلسطينية الإسرائيلية. ولا يستطيع أحد أن يحدد الرقم الحقيقي لهذه الجلسة. منذ بدأت هذه المفاوضات قبل سبعة عشر عاماً في أوسلو. أو قبل عشرين عاماً في مدريد. فما بالنا لو عدنا إلي كامب ديفيد الأولي في 1978 وإطاريها. وكان أحدهما حول فلسطين. أو "الشرق الأوسط". وهو الإطار الذي لم يطبق. بل طويت صفحته. منذ توقفت المباحثات المصرية الإسرائيلية حول "الحكم الذاتي الفلسطيني" مسيرة طويلة. أليس كذلك؟!.. امتدت من الكامب الأول إلي الثاني في 2000. وعبر أوسلو في 1993 وصولاً إلي "أنابوليس" في نوفمبر .2007 فهل مفاوضات اليوم هي الكامب الثالث أو الرابع أو أنابوليس الثاني؟!.. ثم هل هناك فرق بينهما. سوي الفارق الزمني الطويل والثقيل الذي يلقي بآثاره علي مفاوضات اليوم. وعلي ما يمكن أن يسفر عنها من نتائج؟!
هل يعني هذا الاحتكام فقط إلي السوابق التاريخية للحديث عن المفاوضات التي ستبدأ بعد أكثر من يومين من كتابة هذه الكلمات؟!.. أو لن يكون هذا استباقاً للأحداث ومصادرة علي المطلوب بحيث يصير التساؤل هو: هل مفاوضات اليوم هي جولة أخري من أجل التسوية أو جولة أخيرة؟!.. وليس في هذا التساؤل أي تلاعب في الكلمات بين أخري وأخيرة. لأنه من الطبيعي عدم إسقاط السوابق والمقدمات والحقائق المعروفة في مثل هذه الحالة.. إسقاطها من الاعتبار. خاصة حين تتعلق هذه السوابق بأشخاص محددين وبقادة معروفين وبدبلوماسيين مجربين وبسياسيين مستمرين من الكامب الأول إلي اليوم. سواء كان هؤلاء من الإسرائيليين من مناحم بيجين إلي إسحق شامير وشيمون بيريز وإسحق رابين وبنيامين نتنياهو "نفسه" وإيهود باراك وإيهود أولمرت. أو من الفلسطينيين: من ياسر عرفات إلي محمود عباس وأحمد قريع وصائب عريقات ونبيل شعث. ومن الأمريكيين: جيمي كارتر ورونالد ريجان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن وأخيراً باراك أوباما. ومع كل واحد من هؤلاء جيش من المساعدين والمستشارين والدبلوماسيين والخبراء. وبعض هؤلاء الأخيرين كانت لهم بصمات خاصة وأفكار محددة في عملية التسوية. بحيث لا يبالغ المرء كثيراً لو ذهب إلي أنه يمكن أن نقرأ ونتوقع مسار المفاوضات التي تفتتح عملياً اليوم لو وقفنا عند شخصية وحيدة عاصرت وشاركت وأسهمت بشكل أو آخر في كل أطوار وحالات التفاوض الفلسطينية الإسرائيلية منذ بوش الأب إلي أوباما. وأعني بذلك دنيس روس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي حول الشرق الأوسط. والذي لعب في الأيام الأخيرة دوراً في لقاءات واجتماعات عقدت بين تل أبيب وواشنطن. وشارك فيها سياسيون إسرائيليون وزعماء يهود أمريكيون قيل فيما قيل إنهم سألوه: هل يثق الرئيس باراك أوباما وإدارته في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؟!.. وهو سؤال قد يبدو غريباً. وربما يبدو فيه دنيس روس وكأنه يبيع الماء في حارة السقايين. ولكنه يكشف عن مدي الخبرة التي أصبح يختزنها هذا الرجل الذي من المؤكد أنه سيلعب ولو من وراء ستار دوراً كبيراً في مسار مفاوضات واشنطن وفي النهاية التي يمكن أن تنتهي إليها.
وبالطبع. ففي قضية كبيرة مثل هذه التي تتناولها مفاوضات واشنطن لن يكون روس وحده. ولكنه حالة يمكن من خلالها استكشاف آفاق هذه الجولة. واحتمالات نجاحها أو فشلها. وعند حديث النجاح والفشل. يبرز علي الفور الرئيس باراك أوباما ودوره. خاصة أنه ثالث ثلاثة من الرؤساء الديمقراطيين الذين فتحوا بجدية ملف التسوية الفلسطينية الإسرائيلية. أو التسوية العربية الصهيونية بعامة. والآخران هما جيمي كارتر في كامب ديفيد الأول في 1978. وبيل كلينتون في كامب ديفيد الثاني في يوليو 2000. بالإضافة إلي دوره في استضافة توقيع اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر 1993. كما أن توقيع كامب ديفيد الأول كان في 28 سبتمبر ..1978 فهل اختار مفاوضو أوباما هذا الشهر بالذات تفاؤلاً بالمؤتمرين السابقين؟!.. ربما كان هذا أمراً مقصوداً. فضلاً عن ملابسات معينة وتطورات محددة في العراق وأفغانستان مثلاً دفعت رجال الإدارة الأمريكية إلي عدم الانتظار إلي أن ينتهي شهر رمضان مثلاً. لأن أي تأخير كان سيجعل المفاوضات قريبة من جولة الانتخابات النيابية الأمريكية في نوفمبر المقبل. وهذا عامل آخر كان له تأثيره في اختيار موعد المفاوضات التي تجري جلستها الأولي اليوم. بعد أن جرت مراسم الافتتاح الرسمية أمس.
والتشابه والاختلاف بين كل من أوباما اليوم وجيمي كارتر وبيل كلينتون من قبل. من الطبيعي أن يقود إلي مقارنة مماثلة بين نتنياهو اليوم وأسلافه. بل بين نتنياهو نفسه بالأمس في 1996 ونتنياهو اليوم. وهنا فإن حبل المقارنة طويل. خاصة لو تطرقنا إلي كيفية تعامل نتنياهو في 1996 مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والكيفية التي يمكن أن يتعامل بها مع الرئيس باراك أوباما. وقد سبق أن جرت بينهما عملية شد وجذب. فهل انتهت بالكامل أو أن لها امتدادات قد تؤثر علي المحادثات التي تبدأ اليوم؟!.. هنا تجدر الإشارة إلي ما قيل من إنهما في لقائهما في 7 يوليو الماضي. وصل نتنياهو إلي "تفاهم" مع أوباما الذي وصف اللقاء علناً بأنه "ممتاز" وتلاحظ ضغط الرئيس الأمريكي للانتقال إلي المفاوضات المباشرة. حيث قال موظفون أمريكيون: "إن نتنياهو أطلق أقولاً لم يقلها في الماضي في الشأن الفلسطيني". صحيح أنه تلا ذلك قول نتنياهو نفسه: "أنا مستعد للقيام بعمل ما. مستعد للمخاطرة. ولن أعرض أمننا للخطر. ولكن سآخذ علي نفسي بالتأكيد مخاطر سياسية".. ثم ما لبث أن تراجع عن هذا. ليقول: جربوني!
هل يعني هذا أن أوباما يراهن علي نتنياهو وعلي إمكانية أن يوافق علي تسوية تكون مقبولة فلسطينياً؟!.. فما هي حدود هذه التسوية إذا كان نتنياهو نفسه يصادر مقدماً علي ما هو مطلوب بإعلانه عشية سفره من تل أبيب إلي واشنطن يوم الاثنين الماضي: أنه لم يعد الرئيس الأمريكي أو أي جهة أخري في الإدارة الأمريكية بشيء بالنسبة لاستمرار تجميد البناء في المستوطنات. ومن المعروف أن هذا التجميد المعلن وهو غير كامل ولا يشمل القدس المحتلة سينتهي في 26 سبتمبر. أي بعد ثلاثة أسابيع فقط من بدء المفاوضات.. ولم يقف نتنياهو عند هذا الحد. بل أضاف ما هو أخطر وأسوأ فذكر: أن الفلسطينيين يبنون مدينة كاملة بتشجيعنا "وهي مدينة الروابي بالقرب من رام الله والتي يمكن أن يسكنها 30 ألف فلسطيني" وفي المقابل ينازعوننا علي كل بيت في يهودا والسامرة. أي في الضفة الغربية المحتلة. وهذا يعني أن للإسرائيليين "حقاً" في استيطان وسكني الضفة الغربية مثل الحق الذي لأبناء الشعب الفلسطيني. وهذه النظرة وحدها بما لها من خلفيات أيديولوجية وتاريخية لدي الصهاينة كافية لنسف مفاوضات واشنطن. ففي المقابل. وفي اليوم نفسه. يوم الأحد الماضي. وعبر خطاب تليفزيوني قال محمود عباس "أبومازن" رئيس السلطة الفلسطينية: "ستتحمل إسرائيل المسئولية عن فشل المفاوضات إذا استؤنف التوسع الاستيطاني.. نحن نفهم حاجة إسرائيل إلي الأمن. لكن الأمن لا يشكل ذريعة لتوسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي.. ولكن مسئولين فلسطينيين آخرين. مثل صائب عريقات كبير المفاوضين. استخدموا تعبيرات أكثر قوة ووضوحاً وقالوا إن الطرف الفلسطيني سينسحب من المفاوضات إذا استأنفت إسرائيل النشاط الاستيطاني. ورأي محللون وسياسيون فلسطينيون. وبعضهم شارك في المفاوضات التي مهدت لتوقيع اتفاقات أوسلو. في هذا تهديداً سهلاً وغير حصيف "ومن يهدد حقاً لا يذهب "إلي التفاوض" وسط كل ما يجري ميدانياً فوق أرض فلسطين... قليله فقط يحرم الذهاب"!!
انظر مقال حسن عصفور وهو وزير سابق من وزراء السلطة. بعنوان "تهديدات غير ذكية" في صحيفته الإليكترونية "أور" في 22 أغسطس الماضي.
وتبدو هذه النقطة أي استئناف الاستيطان في أو بعد 26 سبتمبر مربط الفرس في المفاوضات التي تبدأ اليوم. فهل كانت هذه النقطة خافية علي أذهان الدبلوماسيين الأمريكيين وعلي رأسهم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والمبعوث الخاص جورج ميتشيل ومساعدوه وهم يضغطون ويسعون ويفرضون بدء استئناف المفاوضات المباشرة اليوم؟!
هنا. لا يمكن القول: ننتظر لنري. لأن العينة بينة وهي التي دفعت جميع القوي الفلسطينية الحية. بما فيها حركة فتح حزب الرئيس محمود عباس. إلي رفض الشروط التي قال نتنياهو إنه يدخل مفاوضات اليوم علي أساسها. في حين أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أنها تبحث تجميد مشاركتها في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية احتجاجاً علي دخول هذه المفاوضات. وقد يجر هذا إلي ردود أفعال فلسطينية أخري ربما لم يشهدها توقيع اتفاقات أوسلو من قبل. فقد استوعب الشعب الفلسطيني في مجموعه درس المفاوضات. وخطورة استمرارها منذ 1993 بشكل خاص دون وقف شامل للاستيطان في الضفة والقدس.
وفي مواجهة هذه المعارضة الفلسطينية القوية والمتزايدة لمفاوضات واشنطن. ظلت إدارة أوباما عند موقفها. وترديد أنها تري في نتنياهو "شريكاً قوياً ملتزماً بالمسيرة". حسبما أوردته صحف إسرائيلية عما أبلغته هذه الإدارة لزعماء يهود أمريكيين. وعلي أي حال. فالبدايات تدل علي النهايات. وما سيعقب جلسة اليوم من بيان ينتظر أن يبين بعض ملامح هذه المفاوضات وتفصيلاتها. سيكون مقياساً لما يمكن أن يأتي من خطوات من المتوقع ألا تكون انقلاباً في مسار عملية التسوية. وربما لن تزيد في حالة النجاح عن خريطة طريق أخري. أو إطار عام. مع موقف مانع من الاستيطان يقول: إن "التجميد لن يمدد. لكن البناء لن يستأنف". وهذا قد لا يكون مقبولاً من جانب نتنياهو الذي يري محللون إسرائيليون كبار أنه ليس أهلاً للرهان عليه من جانب أوباما. لأن "تحقيق السلام يحتاج إلي نهج مغاير تماماً في القيادة الإسرائيلية".. حسب رؤية "الوف لينال" مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية في عهد إيهود باراك. الذي أضاف: "نتنياهو يمكنه أن يقود الإسرائيليين نحو السلام. ولكن ليس من خلال الروح القتالية التي سينطلق بها إلي واشنطن... ولدينا الكثير مما نخسره من فشل المحادثات مع الفلسطينيين.. وفشل نتنياهو لن يكون فشلنا. بل سيكون مصيبتنا".. وهذا ما لا يراه أوباما. ولا نتنياهو نفسه!.. علماً بأن أي اتفاق فلسطيني إسرائيلي أصبح يحتاج. في ضوء التجربة السابقة إلي "اتفاق لتنفيذ الاتفاق" يتضمن خطوات محددة علي الأرض ومحددة من حيث التوقيت ومواعيد التنفيذ. ويكون كل هذا بضمانات دولية ملزمة ومختلفة عن ضمانات أمريكا ولجنتها الرباعية.. وهنا يأتي الدور العربي. وأرجو ألا نتساءل: أين هو؟!.. علماً بأنه في غيابه. فإن كل المواعيد "مضروبة" وكل الضمانات مشلولة. وهذه مأساة عملية التسوية منذ بدأت إلي اليوم. أما غداً. فنحن لا نملك إلا انتظاره. وإن كانت السوابق تتحدث بلسان "فصيح" التسوية تحتاج إلي توازنات أخري.