"بلطجة" علي كوبري قصر النيل!! بقلم :محمد عبدالحليم المنشاوي "باحث وأديب" mohmensh@hotmail.com
أقيمت الكباري والجسور فوق النيل الخالد لتسهيل العبور بكافة أنواعه بين ضفتيه شرقاً وغرباً. غير أن هذه الكباري لاسيما الموجودة فوق نيل القاهرة الكبري قد لعبت دورا مهما كمتنزه ومتنفس للكثير من سكان القاهرة في وقت عزت فيه أماكن المتنزهات علي الكثير من شرائح المجتمع المصري هذه الأيام.
ففي ظل ضيق ذات اليد وارتفاع الأسعار في كل مناحي الحياة اليومية علي نحو يفوق طاقة الكثيرين من فئات المجتمع. وعجز السواد الأعظم من هذه الطبقات والفئات خاصة الشباب منهم علي الذهاب إلي أماكن أكثر راحة جلوسا وخدمة ومناخا. وبعيدا عن ذلك التلوث المنبعث عن عوادم سيارات القاهرة. لجأ هؤلاء إلي الكباري والجسور علي نيل القاهرة كمتنفس ومكان للنزهة غير المكلفة بعد أن عجزوا عن ارتياد الأماكن الأخري المخصصة لذلك.
وأصبحنا نري فوق تلك الكباري لاسيما كوبري قصر النيل الشباب فرادي وجماعات أو مثني وثلاث وغير ذلك يتربضون فوق تلك الكباري الذي لا يكلفه الوصول إليها والتنزه فوقها والتنعم بالنظر إلي مياه النيل الخالد سوي تذكرة بوسائل النقل العام.
لكن "يا فرحة ما تمت"! كالعادة تظهر فئة مستغلة من تلك التي تعج بها قطاعات المجتمع تعكر صفو الناس وتزاحمهم وتضيق عليهم الخناق. تمارس نوعا من البلطجة علي هؤلاء الناس خاصة الشباب الغلبان الذي فر من غلاء أماكن اللهو والتنزه والمطاعم والفنادق المكلفة التي يعجز عن ارتيادها وغير الواردة حتي في قاموس حياته اليومية إلي كوبري قصر النيل حيث منظر المياه والهواء والهوي بلا تكلفة قد تتجاوز طاقته.
ذات يوم وأنا في طريقي من بيتي إلي مكتبي مارا بكوبري قصر النيل سيرا علي الأقدام ممارسا المشي لأسباب صحية. وإذ بي أجد شخصا بلطجي الهيئة والجسم والتصرف من هؤلاء البائعين لأغصان الورد الصناعي يمسك برقبة وتلابيب شاب نحيل الجسم وقفت جواره صديقته. لأنه تجرأ ورفض إلحاحه الممل والممجوج لإجباره علي شراء ذلك الغصن. ليكيل بائع الورد الصناعي للشاب السباب والشتائم التي تعايره بفقره وشكله. كل ذلك لأنه رفض الغصن "الفردة" وأن يدفع خمسة جنيهات. وحيال هذا المشهد المؤلم. تدخلت وقد تملكني الغيظ والحزن الشديد لتخليص الشاب من براثن بلطجي الورد وعلا صوتي لتخويف البلطجي الذي بدا بارد الأعصاب جامد العين. ليظهر شخص آخر ظهر من تصرفه انه من الحراسة الخاصة علي الكوبري في زي مدني علي نحو مظهري ليأخذ البلطجي الضخم الذي فرح لرؤيته وشجعته هذه الرؤية للرد علي الناس الذين تجمعوا مستنكرين الحادث ببجاحة أشد. واختفيا بما يظهر من تصرفهما تواطؤ واضح ظاهر جلي لا تخطئه العين!!
وأتساءل - وقد اعتصرني الألم من زيف كل شيء - هل لو كان هذا الشاب وصديقته يملكان هذه الجنيهات وغيرها. أكان يأتي للتنزه فوق الكوبري؟. أنضيق علي هذا الشباب الذي يئن تحت وطأة الظروف والأحوال القاسية في التنعم حتي بالهواء كسلعة حرة أتاحها الله للجميع؟؟ وهل من الأفضل أن نشجع الشباب لارتياد الأماكن المفتوحة علي الملأ أم ندفعه إلي ارتياد أماكن مغلقة قد لا تحمد عواقبها عليه وعلي من يصادق؟؟ لماذا يصعب علي "البعض" هذه الأيام أن يترك غيره يستمتع بما يتاح له من النذر القليل؟؟ ولماذا أصبح الكثير منا ينظر في "طبق غيره" حسدا وكراهية متناسيا ما يملك هو؟؟
هذا الشباب من فتية وفتيات الذي يظهر هزيل البنية. معتل الصحة. شارد الذهن نتيجة سوء التغذية في بيت والديه اللذين عجزا - بدورهما لفقرهما - عن توفير المأكل والمسكن المناسب لأولادهما. بات يئن تحت وطأة الحاجة إلي تأمين لقمة عيش مستقبله والسعي للتخفيف علي والديه. وهو الأمر الذي بسببه يلهث كل يوم بحثا عن فرصة عمل ملتمسا بريق الأمل في تصريحات وزيرة القوي العاملة وزملائها من الوزراء المعنيين عن توافر الآلاف من فرص العمل. ويذهب هذا الشباب سفرا داخل القاهرة وإليها ويملأ أوراقا واستمارات تكلفه الكثير من طاقة والديه. غير أن واقع الامور يصفعه عندما ينتظر شهورا وسنوات دون اتصال من هذه الوزارة أو تلك.. ويكتشف أنها مجرد تصريحات!!
وقد كنت بنفسي شاهدا علي واقعة تشير إلي أن ما نسمعه من المسئولين عن فرص العمل والتسفير -في معظمه - مجرد تصريحات.. كنت في زيارة لبلدتنا في محافظة الغربية وجاءتني - كالعادة - سيدة بولدها الشاب - متوسمة فيَّ خيرا - ترجو مساعدتها في تشغيل أو تسفير ابنها ونفس الامر لسبعة شباب آخرين. وكنت قد سمعت عن برنامج الوزارة لتشغيل وتسفير الشباب للعمل في الخارج. بوصفه الأضمن والاقل تكلفة لقطاع عريض من الشباب المحتاج. وقد سعدت بهذا الأمر والجهد من جانب وزارة القوي العاملة لعلمي ان ذلك قد يفرج هم الكثيرين. خاصة أبناء المحافظات الأخري ويرسم الابتسامة علي شفاه قد لا تعرف الابتسامة. واستشعارا مني بحال هؤلاء الناس. ذهبت إلي مدير عام الإدارة العامة للتشغيل والتمثيل الخارجي بوزارة القوي العاملة والهجرة ولم تكن لي به سابق معرفة - فما سعيي الا لوجه الله - واستقبلني الرجل أفضل استقبال وبأدب جم وملأت بمكتبه استمارات لثمانية من الشباب وفرحت لفرح الشباب وأسرهم من أن الفرج آت وسيسافر أولادهم في فرص مضمونة تكفلها الوزارة وسعدت لأن الله سيجعلني سببا لإسعاد هؤلاء.. ولكن للأسف "يا فرحة ما تمت أيضا" مر الآن نحو أكثر من عام ونصف العام ولم ترسل الإدارة المعنية لأي من هؤلاء. وكالعادة تكسرت الأحلام.. إنها تصريحات!!.. والنتيجة حالة من اليأس والقنوط يدفع العشرات من هؤلاء الشباب وقد جمع له والداه من قوتهما ما يعينه علي ركوب المجهول واعتلاء سفن متهالكة في مياه المتوسط المتلاطمة والوقوع ضحية شرذمة من المستغلين المحتالين. هروبا لحياة أفضل في أوروبا ليعود جثة هامدة غرقا في مياه البحر.
وما يدعو للسخرية. بل ويزيد الإنسان غيظاً وألماً. أن نري كبار مسئولينا وهم يخرجون علينا بعجيب الأمور في رد فعلهم حيال ذلك. فبدلا من أن يهبوا لعلاج أسباب هذه الكوارث التي تبيد هؤلاء الشباب وتطيح بآمال ما تبقي منهم. نري المسئولين ينشغلون ويشغلوننا معهم بتوافه الأمور. عندما تتمحور مداولاتهم ومناقشاتهم ونقاشهم وجلساتهم حول فتوي - ليس إلا - عما إذا كان هؤلاء الشباب الغرقي راحوا شهداء أم ما فعلوه كان انتحارا؟؟؟ وكأنهم نصبوا أنفسهم في الدنيا للحكم علي سكان الآخرة!!