من كنوز الفكر الإسلامي
الوفاء.. وسلوك المسلم "أخيرة"
بقلم فضيلة الشيخ:محمد الغزالي
رحمه الله
يقول الله تعالي: "ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين. فلما آتاهم من فضله. بخلوا به وتولوا وهم معرضون. فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلي يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون. ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب" التوبة: .7875
ومن القصص الدالة علي شؤم الغدر وعقوق النعمة. ما رواه أبو هريرة عن رسول الله "صلي الله عليه وسلم" قال: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص. وأقرع. وأعمي. أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً. فأتي الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن. وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس. فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لوناً وجلداً حسناً! فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل. فأعطاه ناقة عشراء وقال: بارك الله لك فيها.. ثم أتي الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن. ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس! فمسحه فذهب عنه. وأعطي شعراً حسناً. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطي بقرة حاملاً وقال: بارك الله لك فيها.
ثم أتي الأعمي فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله علي بصري فمسحه. فرد الله عليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والداً.
فأنتج هذان. وولد هذا. فكان لهذا واد من الإبل. ولهذا واد من البقر. ولهذا واد من الغنم.. ثم إنه أتي الأبرص في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري. فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن بعيراً أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة فقال: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس. فقيراً فأعطاك الله؟ قال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر!! قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلي ما كنت.. وأتي الأقرع فقال له مثل ذلك. ورد عليها مثل ما رد الأول فقال إن كنت كاذباً فصيرك الله إلي ما كنت.. ثم أتي الأعمي في صورته وهيئته. فقال له مثل ما قال. فقال: قد كنت أعمي فرد الله علي بصري. فخذ ما شئت ودع ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم لشيء أخذته لله!! فقال: أمسك مالك. فإنما ابتليتم.. فقد رضي عنك. وسخط علي صاحبيك!".
والإسلام يوصي باحترام العقود. التي تسجل فيها الالتزامات المالية وغيرها. ويأمر بإنفاذ الشروط التي تتضمنها.
وفي الحديث: "المسلمون عند شروطهم".. ولا شك أن انتشار الثقة في ميدان التجارة وفي شتي المعاملات الاقتصادية أساسه افتراض الوفاء في أي تعهد.. ويجب أن تكون الشروط المكتوبة متفقة مع حدود الشريعة. وإلا فلا حرمة لها. ولا يكلف المسلم بوفائها.
وقد منح الإسلام عقد الزواج مزيداً من الرعاية. فقال رسول الله: "إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج".
ومن ثم فليس يجوز لرجل بني بامرأة أن يغتال درهماً من حقها. أو يستخف بالرباط الذي جمعه بها.
وفي الحديث: "إنما رجل تزوج امرأة علي ما قل من المهر أو كثر ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها. خدعها. فمات ولم يؤد إليها حقها لقي الله يوم القيامة وهو زاني! وأيما رجل استدان ديناً. لا يريد أن يؤدي إلي صاحبه حقه. خدعه حتي أخذ ماله. فمات ولم يؤد إليه دينه. لقي الله وهو سارق!!".. ولا غرو. فقد تتابعت آيات القرآن. تحض علي الوفاء وتخوف من الغدر: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً" الإسراء 34 وقال تعالي: "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم. ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون" النحل .91
وقد بين الله عز وجل أن الغدر ينزع الثقة. ويثير الفوضي. ويمزق الأواصر. ويرد الأقوياء ضعافاً واهنين. فقال: "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً. تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة هي أربي من أمة إنما يبلوكم الله به. وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون" النحل .92
إن الرجل قد يحل عقداً أبرمه. ينتظر ربحاً أوفر من عقد آخر. وإن الأمة قد تطرح معاهدة بينها وبين أمة أخري جرياً وراء مصلحة أحظي لديها.. والدين يكره أن تداس الفضائل في سوق المنفعة العاجلة. ويكره أن تنطوي دخائل الناس علي هذه النيات المغشوشة. ويوجب الشرف علي الفرد والجماعة حتي تصان العقود علي الفقر والغني. وعلي النصر والهزيمة.
ولذلك يقول الله بعد الأمر الجازم باحترام العهود : "ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم. ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً إن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون" النحل: 94 .95
والوفاء بالحق واجب مع المؤمن بالإسلام ومع الكافر به.