بقلم الدكتور: يوسف القرضاوي
ومن الأوهام المعششة في كثير من الأذهان والتي يروجها دعاة العلمانية: أن الدولة الإسلامية هي دولة المشايخ ورجال الدِّين. وربما اقتبسوا هذه الصورة من حكم الكنيسة الغربية قديما. وهو الحكم الثيوقراطي المعروف. وربما ذكر بعضهم دولة الملالي وآيات الله وحجج الاسلام. في الجمهورية الإسلامية في إيران.
وقياس الإسلام علي المسيحية قياس باطل من أساسه. فالمسيحية تقوم علي نظام كهنوتي معترف به. له سلطانه ونفوذه وأملاكه. ورجاله. علي اختلاف مراتبهم ودرجاتهم في سلم القيادة المسيحية. ولا يوجد هذا في الإسلام.
فالمسلم يستطيع أن يؤدي عبادته من صلاة وصيام وزكاة وحج. بدون وساطة كاهن. وليس بينه وبين الله وساطة. وباب الله مفتوح له في كل حين. وكل حال. ليس عليه حاجب ولا بواب. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبى "البقرة:186".
وحكم الملالي والآيات في إيران ليس لازما. وإن رشحتهم للقيادة أكثر من غيرهم: نظرية "ولاية الفقيه". ولكن رأينا أول رئيس للجمهورية بعد انتصار الثورة. وبإقرار الإمام الخميني نفسه: كان مدنيا. هو الحسن بني صدر. وإن حدث خلاف معه بعد ذلك.
ورأينا رئيس الجمهورية الحالي محمود أحمدي نجاد ينتصر في الانتخابات علي أحد مشايخ الدِّين. ورموز النظام. وهو حجة الإسلام رفسنجاني.
وفي كل المذاهب الإسلامية -ومذهب أهل السنة خاصة- يرشح الشخص للمنصب: صفتان أساسيتان: القوة والأمانة. كما أشار إلي ذلك القرآن: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين "القصص:26"
والقوة تعني: الكفاية والقدرة علي أداء العمل بجدارة. بما لدي الشخص من مواهب وثقافة وخبرة وقدرة. فهذا يعني: الجانب العلمي والفني.
والأمانة: تعني الجانب الخُلُقي. بحيث يخشي الله في عمله. لا يغش ولا يخون. ولا يهمل. ولا يتعدي حدا من حدود الله. ولا يجور علي حق من حقوق الناس.
فهذا هو المطلوب في رجل الدولة المسلمة. قبل أي شيء آخر. وتعجبني كلمات قالها شيخنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله حين كان يرد علي الشيخ خالد محمد خالد. تحت عنوان "شبهات حول الحكم الدِّيني". أحببت أن أسجلها هنا لما فيها من روعة البيان وقوة الحجة. قال رحمه الله:
"يقع في الوهم أن الحكم الدِّيني إذا أقيم فسيكون رجاله هم أنفسهم أولئك الذين نسميهم الآن "رجال الدِّين" وقد تثبت في الخيال صور لعمائم كبيرة ولحي موفورة وأردية فضفاضة.
وقد تتوارد هذه الصور وملابساتها الساخرة فنظن أن الوزراء في هذه الحكومة سيديرون عجلة الحياة إلي الوراء. وينشغلون بأمور لا تمت إلي حقائق الدنيا وشئون العمران بصلة.
ومن يدري؟ فقد يشتغلون بالوعظ ومحاربة البدع والاستعداد للحياة الآخرة.
وحسبهم ذلك من الظفر بالحكم!
وهذا وهم مضحك. ولعله بالنسبة إلي الإسلام خطأ شائن.
فنحن لا نعرف نظاما من الكهنوت يحمل هذا الاصطلاح المريب "رجال الدِّين".
وقد يوجد فريق من الناس يختص بنوع من الدراسات العلمية المتعلِّقة بالكتاب والسنة. ولكن هذا النوع من الدراسات لا يعدو أن يكون ناحية محدودة من آفاق الثقافة الإسلامية الواسعة. تلك الثقافة التي تشمل فنونا لا آخر لها من حقائق الحياتين ومن المعرفة المادية وغير المادية.
والعلماء بالكتاب والسنة يمثلون فريقا من المسلمين قد يكون مثل غيره أو دونه أو فوقه. ولم يكن التقدم الفقهي مُرشِحا للحكم في أزهي عصور الإسلام.
وقد كان أبو هريرة وابن عمر وابن مسعود من أعرف الصحابة بالكتاب والسنة. ومن أكثرهم تحديثا عن النبي صلي الله عليه وسلم فهل كانت منزلتهم في بناء الدولة الإسلامية منزلة الخلفاء الأربعة أو منزلة سعد بن أبي وقاص أو خالد بن الوليد أو أبي عبيدة بن الجراح؟
الواقع أن المسلمين كافة رجال لدينهم -أو ذلك ما يجب أن يكون -والذي يخدم دينه في ميدان القتال أو السياسة أو الحكم أو الصناعة أو العلم هو لا ريب رجل لدينه لا غبار عليه.
وليس أحد أحق من أحد بهذا الوصف. ولا كان احتكارا لطائفة دون أخري يوما ما.
والصورة الصادقة للحكومة -كما يقيمها الإسلام- صورة رجال أحرار الضمائر والعقول. يفنون أشخاصهم ومآربهم في سبيل دينهم وأمتهم.
صورة كفايات خارقة. وثروات عريضة. من بعد النظر. ودقة الفَهم. وعظم الأمانة. تسعد بها المبادئ والشعوب.
صورة أفراد لهم مهارة عبد الرحمن بن عوف في التجارة. وابن الوليد في القيادة. وابن الخطاب في الحكم» قد يولدون في أوساط مجهولة فلا تبرزهم إلا مواهبهم ومَلَكاتهم في مناحي الدنيا وميادين العمل.
إن الحكم الدِّيني ليس مجموعة من الدراويش والمتصوفة والمنتفعين في ظل الخرافات المقدسة.. ويوم يكون كذلك فالإسلام منه بريء"
قيام الدولة الإسلامية علي عقيدة الحاكمية لا يعني: أنها دولة دينية:
وأما من استدل من الكتاب المعاصرين علي أن الدولة الإسلامية دولة دينية -علي معني أنها تحكم بالحق الإلهي- بأنها تقوم علي عقيدة الحاكمية الإلهية. التي دعا إليها بقوة: أبو الأعلي المودودي في باكستان. وسيد قطب في مصر. وهي نفس الفكرة التي دعا إليها الخوارج قديما.
وللحديث بقية العدد القادم بمشيئة الله
 
 
الصفحة الأولى
مقالات
أخبار وتقارير
فتاوى
الصفحة الثالثة
حوارات
أهل القرآن
الملف
تحقيقات
الأسرة المسلمة
الإسلام حياة
العين الألكترونية
شباب وجامعات
المسلمون في العالم
المؤمنون إخوة
إقتصاد
تراويح
الأزهر منارة العلم
الصفحة الاخيرة
الجمهورية
المساء
The Egyptian Gazette
Le Progres Egyptien
حريتي
شاشتي
الكورة والملاعب
العلم
كتاب الجمهورية
   
بيان الخصوصية
Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net