يتوجه التعليم لبناء الإنسان. وهو قلب عملية العمران والتنمية. تغذيه ويغذي منها. والعبرة في جميع حالات التقدم والازدهار لا تكمن في مجرد توافر مصادر الثروة الطبيعية أو المالية. وإنما الأهم هو قدرة البشر علي توليد الثروة وخلق مصادرها وأساليب نموها. وإذا كانت الموارد الطبيعية قابلة للنضوب. فإن البشر الذي كرمه الله مورد لا ينضب. فكراً وعملاً وتنظيماً وإرادة.
وفي عالم اليوم والغد. لا تتمايز الشعوب بمجرد امتلاك الثروة والسلاح أو المواد الخام. كما كان الشأن فيما مضي. وإنما أصبح التمايز بينها فيما تمتلكه من قوة المعرفة ورصيدها المتجدد. ومن ثم يجيء الاهتمام بقياس "مخزون الناتج المعرفي" بدلاً من معدلات "نمو الناتج المحلي الإجمالي" في تقييم مواقع الدول من امتلاك مصادر القوة. ومن ثم جاءت الصحوة الدافعة إلي عملية التنمية البشرية هدفاً ووسيلة لكي تحتل مواقع الصدارة في جهود التنمية والارتقاء الإنساني في مختلف أرجاء العالم. ويجيء دور التعليم المعني بالإنسان وتكوينه في القلب من احتياجات التنمية البشرية. ويقال في هذا الصدد إن التعليم قد يمثل مشكلة من مشكلات التنمية. كما قد يمثل إحدي أهم الحلول في تجاوزها.
وهو يمثل مشكلة حين يسوده الجمود وقصور التجديد في مناهجه وكتبه ومعلميه وبيئاته المؤسسية. مقتصراً في طمأنينته وسكونه إلي المعارف التقليدية. وإلي أنماط حياته ومفاهيمه وحراكه علي ما وجدنا عليه آباءنا ونظمنا وأفكارنا السائدة. ويمثل حلاً من حلول تحقيق التنمية حين يفتح العقول ويشق الطرق أمام المتعلم للتفكير العلمي والمنطقي. وحين يحفز علي التساؤل وتجاوز الخوف من التعبير عن ذاته ومشاعره. مصداقاً لما قاله أحد فلاسفة التربية المعاصرة "إننا نتعلم وإننا نعلم. وأننا نعرف بكل أبداننا" هذا إلي جانب تنمية عشق المعرفة ومداومة البحث عنها واكتسابها المنشود. إنه هو تعلم متواصل من المهد إلي اللحد. كما يقال. وليس منحصراً في مرحلة زمنية معينة من حياة الإنسان. ويصبح دور التعليم المنفتح والمستمر ما يصحبه من بحث علمي تنمية مجتمع معلِّم ومُتعلم. ساعياً إلي مراجعة جادة لمسلماته الفكرية والاجتماعية والثقافية. وتنمية مناهج متطورة للتفكير والفعل. تولد المعرفة الملائمة والنافعة لتضاريس الواقع المعاش.
وقد شهد الفكر الإسلامي ومدارسه التنوع في اجتهادات التفكير والتفسير ولم يتجمد عند أحادية الرؤية إلا عندما ساد استبداد الخلفاء والدعوة إلي قفل باب الاجتهاد منذ القرن الرابع الهجري "العاشر الميلادي". بيد أن التغير والتبدل في أحوال العمران من السنن الكونية كما أكد ذلك عالم الاجتماع الإسلامي عبدالرحمن بن خلدون. إذ ان ظروف المجتمع والبشر في تنوع وتدافع وحركة متصلة. ويجدر بنا في هذا الصدد أن نقتبس من مقولات ابن قيم الجوزية "من أنه مهما تجدد العرف فاتبعه. ولا تجمد علي المنقول من الكتب طول عمرك" ويردف ذلك بقوله "ومن أفتي الناس علي اختلاف عرفهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم بمجرد المنقول من الكتب. فقد ضلَّ وأضل. وكانت جنايته علي الدين أعظم من جناية من طبَّب الناس كلهم علي اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وبيئاتهم بما في كتاب من كتب الطب. وهذا الطبيب الجاهل. وهذا المفتي الجاهل. أضر ما يكون علي أديان الناس وأبدانهم. وهذه من بين إحدي المقولات التراثية التي جعلت للخلاف فقهاً "فقه الخلاف" حتي لا تنغلق العقول والقلوب عن احترام وجهات النظر المتباينة. سعياً وراء التجديد والتيسير والتكييف الرشيد لحياة المسلمين. وتلك مهمة من مهمات التعليم سواء الأزهري أو المدني. وقد نبهنا أحد علماء الأزهر الشريف من السلف الورع بأنه "من الخطأ تشييخ الصحيفة".
ومع الاجتهاد الفقهي والفكري يرتبط التفكير العلمي بمختلف مناهجه التجريبية والاجتماعية والتاريخية. بل وبالحدس والبصيرة أيضاً. وهو ما أطلقت عليه إحدي الفرق الإسلامية تسمية "الخاطر" واللمعة الذهنية الناتجة عن التأمل في الخبرة والوعي والضمير. ولم تعد تنمية التفكير بمختلف مناهجه ومقارباته واتخاذه هادياً في القرار والفعل مقتصرة علي نوع من التعليم دون الآخر. وإنما أصبحت ضرورة وفرض عين علي كل أنماط التعليم وأنواعه ومراحله.
والبحث العلمي أداة من أدوات توظيف التفكير العلمي في اكتشاف معارف جديدة أو علاقات جديدة أو تفنيد آراء سائدة. وهو في جميع الأحوال إثراء للرصيد المعرفي في أي مجتمع بكل إبداع يجدد الحياة والعمران وارتقاء الإنسان. ومن ثم يقوم التعليم العلمي المبدع بدور فاعل في الريادة والاقتحام في تطوير حياة الإنسان في أمور معاشه ومعاده.
وحين نتحدث عن العلم والتفكير العلمي إنما نعني أن يندمج ويتلاقح هذا الأسلوب في تناول كل مجالات المعرفة: في الفقه والأدب والفن وفي العلوم الطبيعية. والعلوم الاجتماعية والإنسانية. وتصبح تنمية التفكير العلمي منهجاً أساسياً في الفهم والبحث والقرار والفعل. لم يعد هدف العملية التعليمية مجرد حشد المعلومات. ليكون المسلم المعاصر مجرد ذاكرة موسوعية. كما كانت مؤهلات المتعلم في أزمان السلف. وهذا لا يعني أن تزويد المتعلم بالمعلومات والمعارف غير أساسي. بل هو قاعدة وخامة لتفكير والتدبر والتوظيف. وبدونهما تصبح بركاناً خامداً ورصيداً جامداً غير مشع وغير منتج.
ومن ثم يمكننا أن ننتج ونؤلف ثقافة إسلامية تكون منطلقاً لحياة جديرة بالإسلام والمسلمين. وثقافة "تعظيم الجوامع وتقليل الفوارق" بين مخرجات أنماط التعليم المختلفة. حسب مقولة الإمام الشهرستاني. والتي نواجه بها مطالب التنمية الذاتية وضغوط التحديات الخارجية.
وننهي حديثنا عن القضايا العامة في دور التعليم ومعارفه ومناهجه في التفكير بإيجاز دوره في التنمية والترسيخ للقيم الأخلاقية واعتبارها من مهمات المؤسسة التعليمية في كل المجتمعات والحضارات بيد أنها مع أهميتها البالغة قد تتعرض في بعض من الأحيان إلي نوع من التآكل أو الضمور أو الانحراف. سواء في مجال الأسرة أو المدرسة أو الإعلام أو السلوك المجتمعي. وهي لا تترسخ إلا بالقدوة والأفعال في اقترانها بالوعظ والإرشاد وتظل القيم الدينية وما تشعه علي أوضاع الواقع أقوي عاصم من التشوهات والانحرافات في سلوك الطلاب والمجتمع.. وللمؤسسة التعليمية دور هام في النهوض بمسئولية تقديم القدوة الحسنة والممارسة السليمة للمعايير الدينية والخلقية والاجتماعية الجامعة. حيث تغدو ساحة للمعرفة والفضيلة. وللتعاون الإيجابي كما للتنافس المحمود. وللانضباط كما للحرية. وللإيثار كما لتحقيق الذات. وللمشاركة كما للتفرد. وللالتزام العام بالواجب كما للحقوق. إلي غير ذلك مما يمثل الدعامة الثالثة في الإسلام: العقيدة. والشريعة. مكارم الأخلاق.