الوسطية تعالج أمراض النفوس
بقلم الدكتور :أحمد محمود كريمة
الاستاذ بجامعة الأزهر
لا خلاف في أن بني آدم أفضل من كل المخلوفات سوي الملائكة. والأصل فيه نصوص شرعية منها قوله - تعالي - "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا" الاسراء70. وبالاستقراء في النصوص الشرعية يتضح ان النفوس البشرية كلها خلقت من نفس واحدة هي نفس الإنسان الأول سيدنا آدم - عليه السلام - وخلق المولي القادر - سبحانه - من هذه ا لنفس الواحدة نفس زوجها. ثم بث منهما عن طريق التناسل السلالات البشرية.
قال الله تعالي - "يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء" النساء1 وأن النفس البشرية لها صفات عديدة. من سبق العدم. وتوارد وتعاقب العوارض عليها النوم. الموت. بالإضافة إلي صفات شعورية أهمها العلم وضده. واليقين والظن والشك. والهوي والشهوة والحاجات والمطالب. والجود والشح. والصبر والضجر. والتواضع والكبر. والرضا والحسد. والأمان والخوف. والضيق والحرج. والهلع والجزع.
وقد فصلت مصنفات العقيدة والأخلاق هذه الأمور تفصيلا ولقد أفاضت المصنفات العلمية المعتمدة في بيان أدواء وعلل وأمراض النفوس الإنسانية ووسائل علاجها في ضوء النصوص الشرعية ومقاصد الاحكام الفقهية. ووسائل تأصيل القيم السلوكية فمن ذلك الحديث عن توجيه النفس إلي العمل الإرادي ومواقع المسئولية. وإقامة التوازن بين دوافع الخير ودوافع الشر. ومنابع الخير والشر - كذلك - في هذه النفس.
وقد وقف الإسلام موقفا عقلانيا واقعيا من النفس الإنسانية فلم يرمها بخطيئة متوارثة. ولم يخرجها من حدودها للاستعلاء علي غيرها. فالإنسان - بالاضافة - إلي ماسلف خلقه الله - سبحانه - في أحسن تقويم فالإنسان كادح مكابد في هذه الحياة الدنيا والإنسان فيه نوازع الخير والشرمعاً. كما انه مخلوق ضعيف والإنسان مبتلي بأسباب الهداية والغواية معاً من هنا جاءت المعالجات الحكيمة الواعية الحانية الشاملة للنفس الإنسانية بنصوص شرعية راسخة. وقواعد محكمة هادية. ومقاصد طيبة سامية. تجعلها في الوسطية لتؤدي رسالتها رسالة "وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" الذاريات 56 "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" البقرة30 العبودية لله - تعالي - الإعمار والتحسين في الأرض. ولا يتأتي هذا إلا بالتوازن الحكيم بين منهجي "ولا تنس نصيبك من الدنيا" 77 القصص "وللآخرة خير لك من الأولي" الضحي.4