الثلاثاء 30 من ربيع الاول 1431هـ - 16 من مارس 2010 م
احتفالاً بعيد الأم:
المرأة حظيت في الإسلام بما لم تنله من الحضارة الغربية
د.عبدالحكم الصعيدي: تّريمها في ّل لحظة.. هو البر الحقيقي
د.فؤاد شاكر: للأسف الشديد أمة "اقرأ" لا تعرف تعاليم دينها
هالة السيد موسي
لقد رفع الإسلام مكانة المرأة وأكرمها بما لم يكرمها به دين سواه وعن مكانة المرأة في الإسلام كان هذا التحقيق مع عدد من علماء الدين والمتخصصين..
بداية يقول الدكتور عبدالحكم الصعيدي الأستاذ بجامعة الأزهر: انه حينما نرجع إلي القرآن الكريم نجد أنه قد رسم للمرأة شخصية متميزة قائمة علي احترام الذات وكرامة النفس وأصالة الخلق وإذا كان الرسول يقول: "النساء شقائق الرجال" فإنه يستمد هذا من هدي القرآن الكريم فإن آيات كثيرة منه تشعرنا بالمساواة البشرية في الحقوق الطبيعية بين الرجل والمرأة فهو يتحدث عنها بما يفيد مشاركتها للرجل وتحملها للتبعة معه. فيقول في قصة آدم أبي البشر: "وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين" ويقول عن النساء والرجال: "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" وهي درجة القوامة والرعاية في الأسرة. ويقول: "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ويقول: "فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثي بعضكم من بعض" ويقول أيضاً: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً".
وبيَّن النبي صلي الله عليه وسلم علي وجه الخصوص أحقية الأم في التكريم حيث سأله سائل قائلاً: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال له: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك" فنحن نري أن الرسول قد وضع هذه القاعدة إشارة إلي دور الأم في الحمل والتربية والتوجيه طوال سنوات العمر ويبلغ مدي تكريم الإسلام للأم درجة عالية تتضح معالمها من هذا الموقف الذي رآه النبي في موسم الحج حيث رأي رجلاً يحمل أمه الكبيرة المسنة علي كتفيه ويطوف بها فلما رأي النبي قال: أتراني قد وفيت حقها يا رسول الله؟ قال النبي: لا. إن هذا الذي تفعله لا يعدل طلقة في ولادتك وهي كانت تحملك صغيراً وهي ترجو لك أن تصبح رجلاً كبيراً أما أنت الآن فتحملها وترجو لها الموت".
ويضيف: إن هذه النصوص لا تقارن بأي قوانين وضعية أو تشريعات بشرية لأن الذي وضع هذه الأسس هو الله الذي خلق فسوي والذي قدر فهدي وصدق الله إذ يقول: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير".
ويؤكد د.الصعيدي علي ضرورة تكريم الأم والبر بها في كل لحظة سواء أكانت علي قيد الحياة أم في رحاب الله ومن بر أمه وتحملت في سبيل تكريمها واحترامها عرف أنه مهما قدم فلن يوفيها حقها وأنها طالما تحمل من أجله ليحيا ويسعد ويهنأ فقد أطاع الله ورسوله وأصبح من الفائزين بحب الله ورضاه وبمكان في الجنة.
نظرة موضوعية
ويري الدكتور محمد فؤاد شاكر أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس ان الإسلام نظر بموضوعية للأسرة المسلمة فعرفنا أن العلاقة بين أفراد الأسرة لابد أن تكون بالمودة والرحمة قال تعالي: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" وكانت المرأة في الجاهلية قبل الإسلام كماً مهملاً يستخدمها الرجل كأداة استمتاع أو كخادمة أو تقوم بأحقر الأعمال فجاء الإسلام ليكرمها ويجعل لها سورة كاملة تتحدث عن حقوقها وواجباتها وهي سورة النساء وجعلها شقيقة الرجل حيث قال النبي: "النساء شقائق الرجال" وخصها رسول الله صلي الله عليه وسلم بالتوصية الراشدة في خطبة الوداع فقال: "استوصوا بالنساء خيراً" ودفع الرسول الرجال ليحققوا الخيرية في حياتهم من خلال خيريتهم لأسرهم فقال صلي الله عليه وسلم "خيركم خيركم لنسائه".
وعلي هذا عرف الإسلام أن المرأة هي الأم والأخت وهي الزوجة وهي الخالة وهي العمة فلم يحرم حقوقها بل وأخذ بشهادتها منفردة في قضايا النساء كالشهادة علي الرضاعة. والناظر إلي قضية المواريث يجد أن المرأة تأخذ أكثر من الرجل لو جمعنا أنصبتها في الميراث يتحقق لنا ذلك فهي تأخذ الثمن من زوجها والسدس من حفيدها ولها الثلث فيما لا عصبة له ولها النصف مع الرجل.. ولو جمعت هذه الأشياء لوجدنا أنها تحصل علي أكثر من الرجل والإسلام جعل من المرأة مشاركة للرجل في مشورته فاستشار رسول الله أم المؤمنين أم سلمة في يوم الحديبية وعمل بمشورتها وزج الإسلام بالمرأة في معترك الحياة فحملت السلاح لتكون مع الجيش كما فعلت أم عمارة نسيبة بنت كعب وحملت القلم لتكتب وتتعلم وتعلم كما كانت السيدة نفيسة ابنة الحسن الأنور يأتيها العلماء ليتعلموا منها العلم وسبقتها أم المؤمنين عائشة التي كانت مفتية في أدق الأمور الفقهية والدينية فكيف يأتي آتي ليتهم الإسلام بغير حق أنه هضم حق المرأة؟!
ويتمني د.فؤاد شاكر من أمة اقرأ أن تقرأ ما سجله القرآن وما سجلته السنة وما ثبت عن سلف الأمة في التعامل مع المرأة كأم وكزوجة وابنة وجدة حتي لا نظلم الإسلام وتعاليمه.
دعوة للرحمة
ويشير الدكتور صبري عبدالرؤوف أستاذ الفقه بجامعة الأزهر إلي أن شريعة الإسلام كرمت الأم بما لم تكرم به شريعة من الشرائع السماوية حيث كرر رسول الله لفظ الأم ثلاث مرات لأن الأم تحمل من المتاعب والمشاق في سبيل تربية أبنائها مالا يتحمله الرجل فهي التي تتحمل متاعب الحمل وآلام الولادة ومتاعب الإرضاع.. تسهر ليلاً من أجل راحة أبنائها بينما الأب قد ذهب إلي نوم عميق ومن هنا فإن الإسلام قد رفع مكانتها وأعلي شأنها لما لها من أثر طيب في إعداد النشء الذي تعده لبناء الأمة والتي تجعل منه الرجال الأوفياء والزوجات الفضليات وهذا كله له أثر كبير في تحقيق الأمن والأمان لبناء مجتمع ورحم الله من قال: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق.
ويؤكد علي أن الإنسان الذي يكون باراً بوالديه عليه أن يعمل علي برهما والعمل علي راحتهما التزاماً بقوله تعالي: "وبالوالدان إحساناً".
ويري أن تكريم الأم أو تكريم الوالدين لا ينبغي أن يكون يوماً واحداً في العام بل ينبغي أن يكون ذلك في كل يوم بل في كل ساعة لأن أحب الناس إلي الإنسان الوالدين يفرحان معاً لفرح أبنائهما ويسعدان لسعادتهما ومن هنا يأتي دور الأبناء في رد الجميل إلي الآباء.
غرس الحب
ويشير الدكتور جمال الدين حسين أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر إلي أن القرآن الكريم أكد علي ضرورة حسن معاملة الوالدين معاً لقوله تعالي: "وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً" فدائماً القرآن الكريم يضع الإحسان إلي الوالدين بعد جانب العقيدة الذي هو أساس الدين وهذا إن دل علي شيء فإنما يدل علي تكريم الإسلام لمكانة الوالدين وتعظيمه لهما.
ويري أنه يجب علي والوالدين والمربين التركيز علي ضرورة غرس حب الوالدين واحترامهما في نفوس الأطفال منذ نعومة أظفارهم وأن من يهمل في هذا الشأن يعرض هؤلاء الأطفال بعد ذلك لخطر كبير وهو خطر عقوق الوالدين من هنا وجب علينا الاهتمام بغرس حب الوالدين في نفوس الأطفال والناشئة حتي يتعود هؤلاء علي معرفة ما للوالدين من مكانة كبيرة في الحياة فينعكس ذلك عليهما بالمعاملة الحسنة وتختفي مظاهر السلبية التي بدأت تظهر في عصرناالحاضر من سوء معاملة الوالدين وإهمالهما أو إيداعهما في إحدي الدور الخاصة بالمسنين وعدم السؤال عنهما بعد ذلك.
مكانة عظيمة
ويقول الدكتور زكي عثمان الأستاذ بجامعة الأزهر: كرم الإسلام الأم تكريماً لائقاً ومكانة عظيمة حيث وضع لها رب العزة مكانة عظيمة في كتابه الكريم وكذلك رسولنا محمد صلي الله عليه وسلم وانطلق من هذا المفكرون الذين يرسون العلاقات الاجتماعية فالناظر إلي هذا القرآن الكريم يدرك أهمية الأم من حيث حملها وإرضاعها وتربيتها لعلماء وأبطال وصناع مجد وبناة حضارة فالأم حينما حملت فإنها حملت وهناً علي وهن وكرهاً علي كره في كل نفس من أنفاس حياتها فلم تتأثر بأي ألم أو أي وجع وكانت فرحة بحملها يقول الله عز وجل : "وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً" "ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله في عامين".
ويضيف إن هذه الآيات التي تبين حقيقة الحمل وحقيقة الفطام وحقيقة الرضاعة هي أعمال ينبغي علي الإنسان أن يشكر والديه كما أمره ربه فيقول لنا ربنا "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة" وهي مرحلة هامة ننظر إليها وكفي أن ننظر إلي القرآن الكريم وهو يقدم لنا أمهات لهن ما لهن من الفضل الكبير كامرأة عمران ومريم ابنة عمران وأم موسي.
نماذج مشرقة
ومن جانبه يشير الدكتور عبدالمقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي إلي أن القرآن الكريم عرض علينا نماذج رائعة لفضليات النساء في تاريخ البشرية فهو يحدثنا عن نساء ضربن المثل في الإيمان والصبر والعفة والاعتصام بحبل الله المتين فكان لهن علي الأيام تاريخ مخلد وذكر مجيد قال تعالي: "وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين".
ويعود القرآن في مواطن كثيرة إلي الحديث عن مريم البتول وتكريمها بطهارتها وعفتها وصيانتها لنفسها فيقول عنها: "فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً. قال: يا مريم أني لك هذا.
قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" ويقول أيضاً: "وإذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك علي نساء العالمين.. يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين".
ويحدثنا القرآن عن أم موسي التي تمثلت فيها عاطفة الأمومة بأجلي معانيها خوفاً علي وليدها وحرصاً علي وحيدها ولكنها لا تتأبي علي أمر ربها بل تلقيه في اليم طاعة لقول ربها: "فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين" ولكنها بعد إلقائها بإبنتها في اليم يصبح تفكيرها فيه هو الشغل الشاغل لها بطبيعة أمومتها وحنانها ولكنها تلجأ إلي عون الله الذي يثبت فؤادها ويربط علي قلبها. حيث يقول: "وأصبح فؤاد أم موسي فارغاً إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا علي قلبها لتكون من المؤمنين".
وفي القرآن الكريم إشارة إلي أن المرأة استطاعت أن تبلغ في بعض السور السابقة منازل مرموقة فهو يحدثنا عن "ملكة سبأ" التي تحلت بالذكاء وبعد النظر مع تطلب المشورة والنصيحة فيقول عنها في أمرها مع سليمان: قالت: "يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتي تشهدون قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين".
وبعد أن يقص القرآن علينا مواقفها مع سليمان تنتهي ملكة سبأ إلي الإيمان وتردد قولها كما حكي القرآن: "وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين".
إن الأم إذا ما وفت دورها وراعت ربها وضمت صغارها استحقت أن تكون الجنة تحت أقدامها فليست كل الأمهات الجنة تحت أقدامهن إنما هناك شروط حتي تصل الأم إلي تلك المرتبة حتي تستحق أن تكون أحق الناس بحسن الصحبة.