بقلم السيد: مختار علي محمد
شيخ الطريقة الدسوقية المحمدية
لا يسعي إلي الحرية إلا من تسكنه العبودية. من لا يقف علي الإشارة لا ترشده العبارة.. من تكلم في غير معناه خسر دعواه.. من تكلم بالدقائق عليه أن يدعمها بالحقائق. وإلا لن يتجاوز العلائق والعوائق.. الإعجاب حجاب.. من لا يؤمن بالقدر فقد كفر.. ومن أحال المعاصي إلي الله فقد فجر.
إن كل جملة صوفية وراءها مشاعر وأحاسيس سماوية لا نهائية فلماذا نأخذ كلمات الله وكأننا نلتقط شيئاً علي الأرض ونحن في قطار يسابق الريح؟ إن ذلك يجعلنا إما نقبل الشيء كله أو نرفضه كله.. وفي الحالين ننكر أهم قواعد الإسلام.. الوسطية.
والمثير للدهشة أننا وقد فشلنا في حل مشاكل الدنيا نصر علي أن نناقش الآخرة. إن أكبر دليل علي ذلك قضية الشفاعة التي سيطرت علي اهتمامات الناس ومناقشات العلماء.. وقد تعاملنا معها بالطريقة نفسها التي نعامل بها أمورنا. السرعة والعجلة وعدم الروية. البعض أنكرها متسرعاً علي طريقة "لاتقربوا الصلاة" وهو يقرأ قوله تعالي: "يومئذ لا تنفع الشفاعة" دون أن يكمل باقي الآية: "إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً" فالشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله.. فهي موجودة ولكن بشروط.
إن كلمة شفاعة تعني في اللغة الضم. ضم واحد إلي واحد. ضم رأي إلي رأي. ضم قوة إلي قوة. ضم حب إلي حب. ضم رقم إلي رقم. ويُقال شفعه أي انضم إليه بإرادته. وشفع له أي جاء إليه بمن ينضم إليه. أو أمر غيره أن يسانده. وتشفع له أي أمر بإحضار من ينضم إليه.
ولو تصورنا شخصاً ر فع قضية في محكمة لو انضممت إليه فقد شفعته ولو وكلت له محامياً فقد شفعت له. ولو كلفت شخصاً ليحضر محامياً له فقد تشفعت له. وعندما يقول الله تعالي: "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" إذن تنفع غيرهم. وهو يعني أن الشفاعة موجودة. ويؤكد وجودها قوله تعالي: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" و"لا يشفعون إلا لمن ارتضي" و"من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها" إذن هناك شفاعة حسنة وشفاعة سيئة. الشفاعة الحسنة هي انضمام للصواب. والشفاعة السيئة هي انضمام للخطأ "الدال علي الخير كفاعله والدال علي الشر كفاعله".
والخلاصة: الشفاعة موجودة لكنها ليست مطلقة ومربوطة بإذن من الله القاضي المطلق علي كل ما نفعل يقول صلي الله عليه وسلم : "أنا أول شافع وأول مشفع" وقوله مزيد من التأكيد.
إن باب الشفاعة باب واسع له مدخل من اللغة وله مدخل من العرف وله مدخل من الشرع فقد يكون في الدنيا من يشفع تطوعاً دون طلب ولمجرد توافق ارادتين أو تجانس قضيتين. لكن في الآخرة لا توجد شفاعة تطوعية. والسبب أن الشفاعة في الدنيا قد تقبل وقد ترفض. أما الشفاعة في الآخرة فلا ترفض لأنها بإذن الله. فسابق علمه سبحانه وتعالي يقتضي ذلك. فالله يعلم أن عبداً له سينجو من العذاب بشفاعة عبد آخر له. فإذا أذن الله لعبد من عباده أن يشفع فهو تكريم له. تكريم للعبد. للمأذون. وليس إملاء لحكم علي القاضي.. سبحانه وتعالي. إن ذلك أشبه بقاض في الدنيا يقول للمحامي: يا أستاذ قم واطلب البراءة لموكلك. هذا يدل علي أن القاضي يعلم مسبقاً أن المتهم سوف يحصل علي البراءة ولكنه أراد تكريم المحامي. إذن في الدنيا نوكل بإرادتنا شفعاء عنا وقد تقبل شفاعتهم وقد ترفض. أما في الاخرة فالذي يوكل هو الله سبحانه وتعالي ومن ثم ليس منطقياً أن يوكلهم ليهينهم ويرفض طلباتهم. في الدنيا يقدم القاضي كل الفرص لإجلاء الحقيقة حتي يستريح ضميره ويطمئن إلي منطوق حكمه فيسمح للمحامي بالمرافعة عسي أن يجلي أمامه ما هو غالب وغامض. لكن ذلك لا ينطبق علي الله سبحانه وتعالي فإنه بكل شيء عليم.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالي