السيرة العطرة قادة اللواء المحمدي.. محمد بن القاسم.. فاتح الهند
بقلم: د. محمد رجب البيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية
تتلألأ البسمة الزاهرة علي فمك إذ تطالع تاريخ البطل الشاب محمد بن القاسم. فتري من خوارق البطولة ونوادر البسالة ما تتقاصر دونه الهمم البعيدة. وينوء بثقله ذوو المطامح العالية من أولي النجدة والإقدام. وقد تنقطع عن القراءة فترات مختلفة تجول بخيالك في عالم هذا البطل العجيب. فتتصور مدي ما أحرزه من نصر باهر!!
وتترك للإعجاب الزاخر في نفسك متنفساً يجيش به عبابه. وتتواكب طيوفه. ولكن البسمة الزاهرة تنقلب إلي دمعة ساخنة حين تفجؤك نهايته الأليمة. فتظن مرارة الحزن تحيل ريقك إلي مصاب مريد. وتتوهج في قلبك جذوات الغضب علي أناس تتأجج أحقادهم الآثمة. فلا يطفئها غير التنكيل بالأبرياء. والتربص بالأفذاذ العماليق. ولو كان البطل الشهيد قد لاقي مصيره في معترك السيوف. وبين مشتجر الرماح لكان مصرعه مدعاة ارتياح لمن يقدرون فروض البطولة علي اصحابها. وديون القيادة علي أربابها!! ولكنه ــ والهفتاه ــ يذهب ضحية للحقد اللاعج. والحزازة المدمرة! ثم تختلق الأكاذيب المغرضة. لتلطخ بسوادها المنكر صحيفة بيضاء تتألق ساطعة بنور الفضيلة والكرامة والإباء.. ويمضي الشهيد إلي ربه صابراً محتسباً. لتكون شهادته وساماً لامعاً يزيد من أجره لدي الله. ومن شكره عند الناس. ها هي ذي قصة كفاحه!! تصيح بالعظة المؤثرة لمن كان له قلب أو ألقي السمع!!.
لقد سيطر الحجاج بن يوسف الثقفي علي الدولة العربية في ظلال الحكم الأموي زمناً ليس بالقليل. فكان مطمح الأنظار وقبلة النفوس. وكانت ثقيف تعتز به. وتفخر برجولته. ويترنم فتيانها بانتصاراته ومواقفه. حتي صار كل ناشيء ثقفي يتخذ من الحجاج مثلاً في البطولة والكياسة. وكان أشد من بهرهم مجد الحجاج غلام ناشيء من أبناء عمومته هو محمد بن القاسم الثقفي. فما كاد يشب عن الطوق حتي اتجه إلي الفروسية والبطولة. فلقن فنون الحرب. وحذق أساليب القتال. ورأي استاذه الحجاج يضرب بسهم في البلاغة الخطابية. فعكف علي شوارد اللغة. وقلائد البيان. يستظهر عيونها. ويجمع أوابدها حتي قال الشعر الرقيق. وعبر عن أحاسيسه الطامحة بأزاهير ناضرة من القصيد. واتجه بقلائده إلي الحماسة والبطولة والبيان معاً. واسترعي إليه الحجاج علي حداثة سنه. فعهد إليه بمهام خطيرة لا يتقلدها غير المحنكين من ذوي الدربة والمرانة. وقد اظهر من الكفاية والمقدرة ما جعل ابن عمه يقذف به إلي وادي السند علي رأس جيش عربي ضخم!! وكانت فراسة الحجاج صادقة. فقد فتحت الهند علي يد البطل الشاب. ودخلت الثقافة الاسلامية إلي بلاد عاشت في الوثنية والضلال. فبددت الغياهب واكتسحت الضباب.
والحق ان غزو الهند كان أملاً يراود ابطال الاسلام في عهد امير المؤمنين عمر بن الخطاب. وبخاصة بعد ان تحطم سلطان الكسروية في القادسية وتزلزل كيان القيصرية في اليرموك. غير ان الفاروق كان يحذر أن يزحف العرب في آكام وهضاب لا عهد لهم بمنعرجاتها الوعرة. ودروبها الملتوية. فكتب إلي عامله في البحرين عثمان بن أبي العاص الثقفي يحذره من توغل جنده في وادي السند. ويقول له: يا أخا ثقيف لقد حملت دوداً علي عود. وإني أحلف بالله. لو أصيب عدد من جندك لأخذت من قومك بمثلهم!! وبرغم ذلك التحذير فقد تتابعت الغارات الإسلامية بعد خلافة عمر علي شواطئ الهند وجزائرها المختلفة. وأخذت الفرق الاستطلاعية من كتائب المسلمين تكتشف هذا الوادي الفسيح. وتستوطن أماكن متفرقة منه دون أن تلتقي بجنوده في موقف حاسم. أو تقع في مأزق كريه. وظل الحال علي ذلك حتي كان عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك. وقد فرغت الدولة من ثوراتها الداخلية فهدأت عاصفة ابن الزبير. وقضي الحجاج علي جبهة ابن الاشعث. وتمكن السلطان الأموي بعد أن كادت تميل به الاعاصير. وإذ ذاك سارت الجيوش العربية لتستأنف الفتوح المعطلة. ولتضيف إلي رقعة الإسلام بلاداً يسعدها أن تشرق عليها شمسه. فسارقتيبة بن مسلم الباهلي إلي ما وراء النهر. وأوغل في كرمينية. وبخاري. ومدن خوارزم. وسمرقند ظافراً منصوراً. واتجه موسي بن نصير من مغرب افريقية إلي بلاد الاندلس علي نحو ماقدمناه. فافتتح قرطبة. وأشبيلية. وبرشلونة. وبوأ للإسلام مكاناً عالياً. ورفع للعربية علماً خافقاً. وقد رأي الحجاج أن تأخذ ثقيف نصيبها من الغزو والجهاد فعقد اللواء لابن عمه محمد بن القاسم. وهو في السابعة عشرة من عمره فسار علي رأس عشرين ألف مقاتل إلي بلاد الهند فسطع نجمه وكسب مجداً خالداً يفوح علي الزمن اريجه العاطر. وتتناقله الاجيال وراء الاجيال لم يكن محمد بن القاسم أول مبعوث للحجاج إلي هذا البلاد. فقد كاان قبله من القادة سعيد بن أسلم الكلابي. فمجاعة بن مسعر السعدي. ثم محمد بن هارون النميري. وقد قام كل بطل من هؤلاء بنصيبه الموفور في الجهاد علي تؤدة وتحفظ. دون ان يجازف بحملة خطيرة. قد تسوء مغبتها في أصقاع نائية وأودية سحيقة. وكان الحجاج يحبذ هذه الحيطة الرشيدة. حتي أهدي ملك سيلان ــ وكانت تسمي حينئذ جزيرة الياقوت ــ إلي الحجاج سفينة تحمل نساء عربيات مسلمات ممن توطن في سيلان حيناً ما..