حذر علماء الشريعة وأساتذة القانون من خطورة ما قام به بعض المواطنين في صفط اللبن بمحافظة الجيزة من قطع يد أحد اللصوص وأجزاء من مؤخرته بعدما ضبطوه متلبساً في حادث سرقة معللين ذلك ليكون عبرة لغيره من اللصوص والخارجين علي القانون.
قالوا إن ما حدث جريمة شنعاء في حق الوطن والمواطنين وإسقاط لهيبة الدولة وعودة لشريعة الغاب وان هذه الأفعال من شأنها إحداث فوضي في البلاد قد لا يحمد عقباها.
أشاروا إلي أن واجب المواطنين الارشاد عن هؤلاء اللصوص لا إقامة الحد عليهم لأن هذه ليست مهمتهم. ولكنها مهمة ولي الأمر فقط أو الأجهزة المعنية في الدولة كالشرطة والقضاء وأن هذه الفعلة بعيدة تماماً عن الشرع. ولا علاقة لها بإقامة الحد علي المجرم كما يزعمون.
الدكتور حامد أبوطالب -نائب رئيس جامعة الأزهر وعميد كلية الشريعة والقانون الأسبق- وصف ما حدث بأنه إفراز من إفرازات اختلال الأمن.. فأي منطقة يفقد فيها الإنسان أمنه لابد أن يجتمع الناس ليدافعوا عن أنفسهم بأي طريقة يرونها.. ومن ثم يتجاوزون في أخذ حقوقهم في الانتقام ويكون الجزاء ليس عقاباً بل انتقاماً من المجرم.. لذلك حينما نصب المجني عليهم في السرقات من أنفسهم قضاة ليأخذوا حقوقهم من اللصوص والسارقين. نجدهم قد تجاوزوا في هذا الحق فقاموا بقتل بعضهم وتقطيع يد آخرين بدون وجه حق وبدون تحقيق في الواقعة ومعرفة الملابسات ومن الجاني حتي يتم تطبيق الحكم عليه. وهذا نوع من الانتقام الشخصي حيث تتحول المحاكمات إلي أسلوب الغابة في الدفاع عن النفس. وبالتالي يفترس القوي الضعيف أيما كان هو المهاجَم أو المهاجِم.
التوعيـة الدينيـة
لذلك يري د. حامد أبوطالب.. ضرورة التوعية الدينية والاجتماعية لأنه إذا اختل الأمن أمام الناس يتم تشكيل لجان شعبية لحماية أرواحهم وهذا من حقهم لكن ليس من حقهم توقيع الجزاء.. وعلي ولاة الأمر المنوط بهم القيام بهذه المهمة إزالة المنكر.. نعم أفراد الشعب منوط بهم أيضاً ذلك تطبيقاً لحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من رأي منكم منكراً فليغيره" "الحديث".. لكن الذي حدث هو نوع من ارتكاب جريمة. وليس تغييراً لمنكر.. و علي أفراد الشعب تدعيم الحكومة والشرطة ومساندتها وإمدادها بالمعلومات والوقوف بجوارها وارشادها لهؤلاء المجرمين وهذا أسلوب من أساليب إزالة المنكر.. لكن أن ينصب هؤلاء من أنفسهم قضاة ويقيموا حدوداً علي المجرمين فهذا منطق مرفوض شرعاً وقانوناً.
الجاهليــة الأولي
أما الدكتور محمد الشحات الجندي -عميد كلية الحقوق ورئيس قسم الشريعة بكلية حقوق حلوان- فيري أن هؤلاء الجناة يستحقون العقاب.. لكن في نفس الوقت ما حدث معهم يعد جريمة كبري في حقهم وفي حق المجتمع وينبغي علي السلطات العامة معاقبة هذا الشخص أو الجاني.. لكن أن تترك الأمور للعامة وينتقم ممن يعتدي عليه وهذا نوع من التطرف والافتئات علي السلطة العامة لأن الله سبحانه وتعالي يقول: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب". والخطاب هنا "لكم" أي لمن يمثل المجتمع والسلطة العامة أو النيابة. لكن أن يكون الأمر هكذا.. فهذا يؤدي إلي الانتقام وتفاقم الجرائم وأن تنتقل المسألة من العقاب إلي الانتقام وعدم الإنصاف.. وهذا الفعل صنيع الجاهلية الأولي.. فلو جاء المجني عليه إلي الحاكم أو إلي السلطات لأمكن احتواء مثل هذه الأمور حتي لا تؤدي لمزيد من الضحايا وحتي لا يكون هناك عدم عدالة في التطبيق.
يضيف د. الجندي: المطلوب أن يعاقب الجاني بقدر ما ارتكب من جريمة لا أن يعاقب بالانتقام وبقدر ما تيسر له من أفعال ضد الجاني.. وهذا يؤدي لنشر الجريمة وترويع المجتمع. وإحداث الفوضي وعدم الاستقرار ووجود نوع من عدم الاستقرار النفسي للناس والمجتمع.
وفي الرد علي من اعتدي قد يكون هناك ظلم لأنني سأنتقم بقدر ما يتاح لي من مقومات.. ونحن لا ننفي أن للمجني عليهم حقوقاً لكن يجب أن تتم عن طريق السلطة العامة. لا بهذه الطريقة العشوائية التي من شأنها إثارة الفوضي في المجتمع.
مهمـة القاضـي
يري الدكتور محمد رأفت عثمان -أستاذ الفقه وعميد كلية الشريعة والقانون الأسبق- أن الشريعة الإسلامية تمنع أن يمارس أي إنسان أي عقوبة علي إنسان آخر لأن هذا الفعل هو مهمة القاضي أو الحاكم سواء كانت عقوبات قصاص أو حدود أو تعزيرية.. والقصاص هو أن يوقع علي الجاني بمثل ما اعتدي علي المجني عليه. فإذا قتله يقتل وإذا قطع يده تقطع يده. وإذا جرحه يجرح أيضاً.. مادام الجرح لا يؤدي إلي الوفاة. أما الحدود التي حددها الشارع في بعض الجرائم التي تؤثر تأثيراً شديداً في الأسرة مثل السرقة والزنا وقطع الطريق فإن مثل هذه الجرائم وضعت لها عقوبة معينة لم يترك لها الشرع أي اجتهاد. وفيها لا بالزيادة أو النقصان.. وأما التعازير.. فهو العقوبة التي لم يحددها الشارع لأي جريمة وترك أمر تحديدها للمجتمع أو للحاكم أن يقرر العقوبة الملائمة لدرء هذه الجريمة التي ليست قصاصاً ولا حداً مثل كسر إشارة المرور مثلاً أو مخالفة قواعد تصريح البناء أو التزوير في محرر رسمي.
لذلك فإن قطع اليد من أكبر العقوبات لأنها حد من حدود الله وليست من اختصاصات أحد إلا القاضي لأن القاضي له من السلطات الواسعة والصلاحيات التي تعطيه الحق في استدعاء أي أحد للشهادة في الجريمة التي يحقق فيها وأمره الشرع علي سبيل الوجوب لا علي سبيل الاستحباب. أن يدقق في جرائم القصاص والحدود بحيث لا يحكم فيها إلا وهو مطمئن كاملاً.. ولهذا وجدت القاعدة الشرعية التي تقول "درء الحدود بالشبهات".
ويري د. رأفت عثمان.. أن الذي عاقب الجاني يجب أن يعاقب بنفس العقوبة التي قام بها امتثالاً لقوله تعالي: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب".. أما من الناحية الأمنية فلا يمكن أن نتصور أبداً مثل الذي حدث أن يقتاد مجموعة من الناس إنساناً آخر ويعذبونه ويوقعون عليه العقاب من أنفسهم وهذه مسئولية أمنية يجب أن تعالج فوراً قبل أن تعم الفوضي وينتشر البلاء.
شـــريعة الغـاب
ويوضح الدكتور عبدالله الصبان -الأستاذ بجامعة الأزهر أن إزالة المنكر لا تكون إلا من ولي الأمر أو الحاكم ولا يحق بحال من الأحوال أن يتحول مجتمعنا إلي فوضي.. الغلبة فيه للأقوي.. وإذا لم نحكّم شرع الله في أمور حياتنا فستسود شريعة الغاب.. وهذا ما حدث بالفعل في جريمة صفط اللبن بالجيزة.
قال: إذا ترك الأمر هكذا فسيحدث ما لايحمد عقباه. لكن علي ولاة الأمر تطبيق العدل ومعاقبة الجاني فوراً وعدم التباطؤ في القبض عليه من قبل الأجهزة المعنية.
وتساءل د. الصبان: من الذي أعطي الحق لهذا الذي قام بفعلته الشنعاء أن يعاقب الجاني بدون حكم أو شهود أو محكمة وخلافه؟
إنني أري أنه إذا لم تبادر السلطات الحاكمة والأجهزة الأمنية بغلق هذا الباب بتقديم الجاني للعدالة فستفتح علينا أبواب جهنم. وستمزق مصر تمزيقاً وسنري شريعة الغاب هي السائدة.
هيبــة الدولــة
يوضح الشيخ شوقي عبداللطيف -وكيل أول وزارة الأوقاف ورئيس شئون الدعوة- أن من قام بهذا العمل الإجرامي ارتكب جريمتين.. الاعتداد علي حق المواطنين. واعتداء علي حق الدولة.. وان هذه الأفعال إذا انتشرت فمن شأنها إشاعة الفوضي وإسقاط لهيبة الوطن.
قال: إن البعض يبرر هذه الأفعال بأن الدولة ليست قادرة علي معاقبة المجرمين ولا تستطيع تحقيق العدل.. ولكن نرد علي ذلك بأن مهمتنا كمواطنين ليست تطبيق العقوبات.. ولكن إعانة الدولة والأجهزة المعنية في القيام بواجباتها وليس من حقنا أبداً إزالة المنكر بأيدينا .. وعلي الدولة والقائمين عليها أن تنتبه لخطورة هذه الأفعال وتسارع بالقبض علي المجرمين أو المشتبه فيهم ومحاكمتهم محاكمة عادلة حتي يتحقق الأمن وحتي لا تتركه فرصة للآخرين لأخذ حقوقهم بأيديهم بدون محاكمة أو تحقيق للعدالة.
 
 
الصفحة الأولى
مقالات
أخبار وتقارير
فتاوى
الصفحة الثالثة
حوارات
أهل القرآن
الملف
تحقيقات
الأسرة المسلمة
الإسلام حياة
العين الألكترونية
شباب وجامعات
المسلمون في العالم
المؤمنون إخوة
إقتصاد
تراويح
الأزهر منارة العلم
الصفحة الاخيرة
الجمهورية
المساء
The Egyptian Gazette
Le Progres Egyptien
حريتي
شاشتي
الكورة والملاعب
العلم
كتاب الجمهورية
   
بيان الخصوصية
Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net