بالإجماع :
استغلال المساجد في الدعاية الانتخابية .. مرفوض
فرق كبير بين الثقافة السياسية وتأييد أشخاص معينين
تحقيق : جمــال ســالم
أثار قيام مجموعة من مرشحي الرئاسة ومن يعتزم الترشح لانتخابات مجلسي الشعب والشوري مساجد -سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- للدعاية الانتخابية تساؤلا: هل يجوز استخدام بيوت الله للدعاية الانتخابية؟ وهل يختلف الأمر إذا كان المرشح ينتمي لتيار أو جماعة دينية؟ وهل تختلف مساجد الأوقاف عن غيرها من المساجد في موقفها من ذلك؟
هذه الأسئلة الحائرة وغيرها يجيب عنها هذا التحقيق.
* استقبل المصلون بمسجد المرسي أبي العباس بالإسكندرية الفريق أحمد شفيق بالترحيب وتقديم الشكاوي فيما أيد البعض ترشيحه لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة وأحاط به عدد من منظمي حملة دعم ترشحه لخوض الانتخابات الرئاسية وحرص شفيق علي نفي أي أهداف سياسية لصلاته بالمسجد الشهير.
* أدي الدكتور محمد سليم العوا صلاة عيد الفطر بمسجد القائد إبراهيم الذي خطب به الداعية الإسلامي الشهير أحمد المحلاوي وقامت حملة ترشحه للانتخابات الرئاسية بتوزيع منشورات دعائية لتأييده رغم تأكيده علي أن تواجده بالإسكندرية للاحتفال بعيد الفطر.
* انتشرت صور عمرو موسي علي الـ"فيسبوك" في إطار الدعاية لحملته الرئاسية علي حوائط مسجد عباد الرحمن بمنطقة سيدي بشر حيث كان مدعوا لمائدة افطار بميدان محمد نجيب دعا إليها أحد أصحاب شركات المقاولات والذي قام بوضع عشرات اللافتات للترحيب بموسي مقترنة باسم شركته للمقاولات.. الأمر الذي أثار دهشة الجميع.
* مسجد عمرو بن العاص شهد عقب صلاة العيد توزيع بيانات تأييد للمرشح المحتمل للرئاسة حازم صلاح أبوإسماعيل تضمنت السيرة الذاتية له وتاريخه المهني والسياسي.
* الدكتور محمد سليم العوا ألقي كلمة في المؤتمر الجماهيري الذي عقده بساحة مسجد أبوالحجاج بالأقصر بعد أن بدأ بزيارة الساحة الرضوانية وألقي خطبة الجمعة بمسجد العارف بالله أحمد بن رضوان.
* الأمرلم يقتصر فقط علي مرشحي الرئاسة. فالأحزاب الجديدة رفعت لافتاتها في كل مكان. تهنئ المصريين بالعيد من جهة وتغريهم بالانضمام إليها.
جدير بالذكر أن استغلال كل دور العبادة الإسلامية والمسيحية محظور بأمر القانون الوضعي أيضا حيث قرر مجلس الوزراء منذ أيام النظام البائد منع الدعاية في المساجد والكنائس.
مســتاء.. وأحـذّر
أعلن الدكتور محمد عبدالفضيل القوصي -وزير الأوقاف- استياءه الشديد من استغلال المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية للمساجد وساحات الصلاة المخصصة لصلاة عيد الفطر في الدعاية الانتخابية ونشر لافتاتهم وصورهم داخل المساجد وخارجها.
قال: أتمني من المرشحين أن يبتعدوا عن المساجد التي خصصت للعبادة والصلاة لأننا نرفض استغلالها في مثل هذه الأمور لأن المساجد للصلاة والعبادة والدعوة إلي الله وليست للعمل السياسي.. ليس هناك رد أبلغ من قول الله تعالي: "وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً".
لا مجـال للسـياسـة
وعن موقف مساجد الجمعية الشرعية من الدعاية الانتخابية قال الدكتور محمد المختار المهدي الرئيس العام للجمعية: نحن نمنع تدخل الأهواء السياسية في عمل وأنشطة الجمعية. ولهذا فإنه يحظر علي أي عضو بالجمعية ممارسة أي عمل سياسي باسم الجمعية ولو كان الترشح لرئاسة الجمهورية بل اننا نمنع انضمام من له انتماء حزبي أو يعمل علي توظيف الجمعية لخدمة أهداف سياسية لأننا جمعية دعوية لها أنشطة خيرية وتهتم بقضايا الأمة دون الخوض في السياسة أو ممارستها بأي شكل.
أشار إلي أنه يجب أن يتحمل أئمة كل المساجد علي مستوي الجمهورية -وليس مساجد الجمعية فقط- مسئوليتهم أمام الله أولاً وأخيراً ثم أمام القانون بألا يسمحوا لأي مرشح باستخدام منابرهم للدعاية الانتخابية أياً كان المرشح حتي تظل المساجد مصونة وبعيدة عن ألاعيب السياسة وأهداف المرشحين.. وبالتالي فإن استخدام المساجد للدعاية الانتخابية مخالفة شرعية وقانونية لأن فيها انتهاكاً لحرمة بيوت الله.
وفرّق الدكتور المختار المهدي بين استخدم المساجد للدعاية الانتخابية لمرشحين بأعينهم وبين قيام الأئمة بحث الناس علي الإيجابية والمبادرة وإرشادهم إلي منهج الإسلام في انتقاء من يمثل الأمة فلا بأس بذلك بل انه واجب علي الأمة باعتبار أن المسجد منارة للأمة وتعبير عن ضميرها.. أما إن كان استخدام المسجد للدعوة لترشيح شخص بعينه -سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- فهذا منهي عنه شرعا. لما قد يترتب علي ذلك من ضرر. كما أن للمساجد في الإسلام وظائف متعددة أهمها أنها أماكن للعبادة لهذا قال تعالي: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله".
ورفض الدكتور المهدي المساواة بين الانتخابات بمفهومها المعاصر ورفض استخدام المساجد للدعاية وبين تشاور المسلمين في المساجد عمن سيكون خليفة لهم. وقد يدور حوار بين الصحابة ومن بعدهم في هذا داخل المسجد لهذا يجب النظر إلي هذه المسألة في ضوء الاعتبارات الحديثة مع مراعاة الضوابط العامة للمسجد حسب ما جاء في النصوص الشرعية. والمنهي عنه باتفاق بين الفقهاء هو الحديث الخاص بالدنيا من غير المباحات لقوله صلي الله عليه وسلم: "يكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد إمامهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة". وقوله أيضا: "لا تقوم الساعة حتي يجلس الناس في المساجد ليس فيهم مؤمن حديثهم فيها الدنيا".
جماعة أنصار السـنَّة
قال جمال سعد حاتم رئيس تحرير مجلة "التوحيد" الناطقة بلسان جماعة أنصار السنة: لاشك أن المرشحين وأنصارهم قد خالفوا قانون الدعاية الانتخابية التي تجرم استغلال دور العبادة في الدعاية مما يؤكد ضعف حسهم الإيماني حتي وصل الأمر إلي وضع صور بعضهم علي حوائط المساجد للدعاية بين من يسيرون في الشارع أو من يصلون خارج المساجد الكبري سواء أثناء صلاة الجمعة أو صلوات العشاء والتراويح والتهجد في شهر رمضان.. ولهذا لابد أن يدرك المرشحون حرمة التعرض لأماكن العباد. ونحن في جماعة أنصار السنة نمنع استخدام المساجد للدعاية لمرشح بعينه أو التحذير من انتخاب مرشح بعينه.
مصلحـة ومَفسَـدة
يقول الدكتور حامد أبوطالب عضو مجمع البحوث الإسلامية: إذا نظرنا إلي استخدام المساجد للدعاية الانتخابية فقد يري البعض فيه مصلحة باتجاه الناس للمساجد واعتبارها مرجعية إسلامية لكل مرشح يسعي لتأييد رواد المساجد له. مما يؤكد أن المساجد هي المحرك للمسلمين وفي ذلك إعلاء لشأنها ورفع لمكانتها عند الناس. ولكن هناك مفسدة أكبر من هذه المصلحة وهي تحول المساجد عن الأهداف السامية التي أنشئت من أجلها ويزيد الأمر سوءًا.. استخدام المساجد في المنافسة بين المرشحين وغش الشعب بادعاء التدين والقاعدة الشرعية "درء المفسدة مقدم علي جلب المنفعة".
أشار الدكتور أبوطالب إلي انه يجب التفريق في الحديث عن الانتخابات في المسجد بين أمرين.. أولهما: قيام الأئمة والخطباء بالحث علي ترشيح الأصلح للأمة والأكفـأ لها.. ومن عرف عنه القوة فيما سيقوم به من حكم البلاد والأمانة في عمله كما قال تعالي علي لسان بنت الرجل الصالح شعيب: "إن خير من استأجرت القوي الأمين". فمثل هذه الارشادات العامة من خلال الدروس وخطب الجمعة لا بأس بها هي من الكلام المباح في المسجد ولا شيء فيه لأن رسالة المسجد ليست منفصلة عن المجتمع. وثانيهما: دخول المرشح -أو النائب عنه- المسجد ومحاولة كسبه الناس واتخاذ المسجد وسيلة لذلك فهذا منهي عنه شرعا حتي لا يستفيد من ذلك الصالح والطالح الذي يحاول الظهور بمظهر الصالحين لهذا يجب منعهم من باب سـد الذرائع ودفع الضرر عن الأمة استنادا لقوله صلي الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".
مرفوض حتي للإسـلاميين
يؤكد الدكتور محمد عبداللطيف قنديل الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية بالإسكندرية أنه يجب ألا يسمح مطلقاً باستخدام منابر المساجد للدعاية الانتخابية لأي مرشح في الانتخابات بصرف النظر عن انتمائه الحزبي حتي ولو كان من قادة التيار الديني لأن المساجد يجب أن تستخدم للدعوة الإسلامية ولتعريف المسلمين بحقيقة الدين. وبالتالي لا يسمح بأن تكون مجرد أبواق للدعاية الانتخابية أو يتم إدخالها في المعارك السياسية لأي حزب من الأحزاب.
أشار إلي حرمة استخدام المساجد في غير ما انشئت من أجله ثابت في الأحاديث النبوية منها حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلاً نشد في المسجد. فقال: من دعا إلي الجمل الأحمر. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: "لا وجدت. إنما بنيت المساجد لما بنيت". وجاء في حديث آخر: "إنما بنيت المساجد لذكر الله والحكم". ولهذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده وبعض حكام الدولة الإسلامية من بعدهم يجمعون الناس في المسجد ويخطبون فيهم وربما جادلوهم في المسجد أثناء بحث أحوال ومشكلات المسلمين ومحاولة حلها. ويكفي أن نتأمل دوره في بداية حكم الخلفاء الراشدين فقد خطب أبي بكر رضي الله عنه في المسلمين عند توليه الحكم فقال: "أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسـأت فقوموني". وقال الفاروق عمر بن الخطاب: "أيها الناس من رأي منكم فيَّ اعوجاجاً فليقومني". فرد عليه أحد المصلين: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا"! فيرد عليه عمر قائلاً: "الحمدلله الذي جعل في رعية عمر من يقوم اعوجاجه بحد السيف".