رغم أن القضاء هو رمز العدالة الذي يحفظ الدماء والأعراض والأموال ويقيم العدل بين البشر في المجتمع.. فيعاقب المتهم حتي يرتدع. ويحمي البريء من المعتدين الذي ينصبون أنفسهم قضاة يرفضون حكم القضاء إذا لم يوافق أهواءهم.. هذا ما فجرته قضية بني مزار حيث رفض أهالي الضحايا حكم القضاء وتوعدهم بالثأر من المتهم الذي أعلن القاضي براءته في القضية الغريبة في كل تفاصيلها فهل من حق أهالي الضحايا رفض أحكام القضاء؟ وما حكم الشرع ورأي رجال القانون والجماهير في هذا الموضوع الخطير؟!.. هذا ما سنتعرف عليه في التحقيق التالي.
فجر يوم الخميس 29 ديسمبر الماضي استيقظ أهالي عزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار محافظة المنيا علي مأساة بشعة ومذبحة رهيبة راح ضحيتها عشرة أشخاص تم ذبحهم والتمثيل بجثثهم وقطع الأعضاء الذكرية لهم أثناء نومهم وبعد تحريات الشرطة تم القبض علي محمد علي محمد أحمد عبداللطيف "27 سنة" من أبناء القرية وتوجيه الاتهام إليه وتم احالته إلي محكمة جنايات المنيا وبعد تداول القضية قضت المحكمة يوم الأربعاء الماضي ببراءة المتهم.. إلي هنا وظن الجميع أن الستار قد أسدل علي أحداث هذه المذبحة البشعة ولكن ما أعلنه أقارب الضحايا بتوعدهم للمتهم الذي تم تبرئته وأخذهم بالثأر منه قد أعاد فتح هذا الملف من جديد خاصة وأن بعض أقارب الضحايا كانوا بالفعل يتمنون حصول المتهم علي البراءة لتنفيذ وعدهم بالثأر ليعيد هذا إلي الاذهان واقعة بيت علام حيث رفض أهالي المجني عليه حكم القضاء وأخذوا بثأرهم بطريقة درامية بشعة كانت حديث وسائل الإعلام فترة من الزمن.
بداية نقرأ بعض ما قاله أقارب الضحايا عقب النطق بالحكم الذي وقع عليهم كالصدمة حيث أصيبوا بذهول شديد وخرجوا من القاعة مهددين بالأخذ بالثأر.
* أبوبكر عبدالمجيد شقيق المجني عليه طه عبدالمجيد محمد المحامي ووالدته: المتهم قام بقتل أهالينا بالفعل وسوف نأخذ ثأرنا بأيدينا.
* زينب ابنة الضحية سيد محمود محمد ووالدتها صباح: الحكم الصادر لا يعنينا لأننا واثقون أن المتهم هو القاتل وسوف نأخذ ثأرنا بأيدينا.
* محمد عزت عبداللطيف زوج شقيقة يحيي محمد أبوبكر: الحكم بالبراءة لم يكن متوقعا نهائيا ونحن متأكدون أن محمد هو القاتل.
وأخذنا رأي الجماهير في خروج أهالي الضحايا في أي قضية علي الحكم ورفضهم له كأنهم قضاة
* خالد فلفل كوافير رجالي: لقد تابعت هذه القضية البشعة عبر وسائل الإعلام وكغيري من الناس فقد شعرت بالاستياء والحزن الشديد علي الضحايا. لكن علي الجميع احترام أحكام القضاء والصبر حتي يتم القبض علي الجاني أو تعيد النيابة تقديم ذات المتهم للمحاكمة مرة أخري. أما موضوع الأخذ بالثأر فهذه عادة جاهلية مذمومة يجب البعد عنها والتخلص منها خاصة وأن المحكمة قد برأت المتهم والثأر منه يضعهم في خانة قتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق.
* أحمد الطاهر الهمامي - مهندس كمبيوتر - نعذر أقارب الضحايا في مصابهم فهو أليم وصعب تحمله ولكنه في النهاية قضاء الله وقدره وهذا ما يجب علي أقارب الضحايا أن يدركوه جيدا والصبر علي هذا المصاب الأليم أفضل لهم وللضحايا فالله سبحانه وتعالي كفيل بالثأر ممن أقدم علي هذا العمل البشع أما أن ننصب أنفسنا جلادين فهذا خطأ آخر لا يمكن تقبله وفي هذه القضية القاضي حكم ببراءة المتهم فكيف ننصب أنفسنا قضاة ونحكم عليه بالإعدام.. علي أقارب الضحايا أن يراجعوا أنفسهم جيدا قبل أن يقدموا علي أي عمل غير صحيح ويتدفق نهر من الدماء لن يتوقف مهما حدث وتتحول القضية إلي مسلسل لا ينتهي من مسلسلات الثأر المذمومة.
* فيصل عبدالحميد - محامي بشركة كهرباء مصر العليا -: احترام أحكام القضاء ضرورة وواجب ولاشك أن المحكمة لها حيثياتها في هذا الحكم الذي أصدرته ولابد من الانتظار لأن النيابة إما أنها ستعيد البحث عن أدلة جديدة لإعادة تقديم المتهم إلي المحاكمة مرة أخري حيث إن من حقها استئناف الحكم أو ستكلف رجال البحث بإعادة البحث والتحري عن القاتل الحقيقي إن لم يكن هذا المتهم أما التسرع والأخذ بالثأر فهذه جريمة لا يمكن اقرارها أو القبول بها ومع كل عزائنا لأقارب الضحايا وشعورنا بمأساتهم ومدي فداحتها فإننا نطالبهم بضبط النفس وعدم التسرع أو التهور.
* حمدي طه حامد: الصعيد كله يشعر بالتعب والضيق من عادة الثأر التي لا تنتهي مع أنها تخالف أحكام الشريعة الإسلامية فالقصاص يقوم به ولي الأمر أو من ينصبه لذلك وإلا تحول الأمر إلي غابة نتقاتل فيها وتسيل الدماء رخيصة بلا ثمن.
* محمد عاشور البدوي - دراسات عليا شريعة وقانون -: الثأر عادة جاهلية مذمومة توارثناها عبر الأجيال وعندما جاء الإسلام نهي عنها وحرمها ومع ذلك فهي لاتريد أن تنتهي رغم أننا لو نظرنا إليها جيدا فلن نري فيها إلا سفكا للدماء وضحايا يتساقطون من الطرفين ومسلسلا من العنف لن ينتهي والجميع فيه خاسرون ولن يحقق لهم أي شرف أو عزة كما يتوهم من يريد الأخذ بالثأر.. علي الجميع ضبط النفس وعلي الجهات المسئولة أن تسارع بعقد جلسة مصالحة لنزع فتيل هذه الأزمة قبل اشتعالها.
العقوبة القانونية
عن رأي رجال القانون في هذا الموضوع يشير المستشار محمد القياتي القشيري رئيس محكمة جنايات القاهرة إلي أن الثأر موروث اجتماعي فاسد لا يمكن بحال من الأحوال القضاء عليه في يوم وليلة ويتعين تكثيف الوعي الفكري في الصعيد بالذات وبيان مدي خطورة هذا الأمر لأن الثأر في حد ذاته بالنسبة لهم عقيدة ومن العقائد ما يلب ويحمق كما قال أمير الشعراء شوقي ومهما حاولنا أن نقنع شخصا ما بأن الثأر عملية غير أخلاقية وغير قانونية وغير شرعية ربما يقتنع مؤقتا ثم يأتي ابنه ليحل محله ليأخذ بالثأر.. فالرأي العام والشرطة ليس لهما دخل في هذا خاصة أن المباحث تتحري وقد تكون تحرياتها اما صادقا أو كاذبا ومحكمة النقض استقر قضاؤها علي أن تحريات الشرطة في حد ذاتها لا تقيم صرح دليل وإنما قد تعزز دليلا قائما وينال منها كونها مجهولة المصدر ظنية المدلول ولأن الثأر موروث نفسي قديم خاطيء فلا يمكن القضاء عليه في يوم وليلة بل يحتاج إلي عدة قرون عكس الأمراض التي يمكن أن يكتشف مصل علاجها.
* يري المستشار إبراهيم مصطفي كمال رئيس محكمة جنايات الإسماعيلية أن الثأر ثقافة اجتماعية لمواطنين يعيشون في بيئات معينة داخل مصر وفيها يختلف مفهوم الثأر من طبقة إلي أخري داخل هذه البيئات فهناك من لايري في حكم الادانة والسجن ثأراً وإنما يتأتي بازهاق روحه كما يحاولون الوصول إلي المتهم وتوقيع العقوبة عليه قبل العدالة والبعض ينتظر تنفيذ العقوبة وخروج المتهم من السجن وينقذ عقوبة الثأر علي المتهم لأن ثقافة الثأر لا تعترف بعقوبة السجن ويعتقدون أنه تمكن من الافلات من يد العدالة بأساليب مختلفة تمكن هو أو محاميه من خداع المحكمة بها.
أضف إلي ذلك دور وسائل الإعلام في تأكيد أن المتهم القاتل وذلك بصفة رسمية عن طريق وزارة الداخلية أو بصفة إعلامية.. الجميع هيأ الرأي العام أن هذا هو المتهم الفعلي وبناء عليه فان إعلان براءة المتهم يمثل لأهالي الضحايا صدمة ومن ثم فإن ما أعلن لم يعد مستغربا خاصة انه نتاج طبيعي لمعتقداتهم وفي ضوء المعطيات التي أحاطت بالقضية ويجب علي القاضي ألا يتأثر في أحكامه بالرأي العام سواء لصالح المتهم أو ضده لان هناك أسباباً يكتبها في حيثيات حكمه فهو يحكم بناء علي أدلة من النيابة والشرطة كذلك فان القضية أساسا عقوبتها الإعدام ولا يمكن أن يقضي بعقوبة أخري إلا باستخدام المادة "17" وإذا انتهت المحكمة إلي الادانة لا يمكن استخدام الرأفة من هنا لابد أن يكون القاضي متأنيا شديد الحرص علي أن تكون الأدلة ضد المتهم قوية.. وفي قضية بني مزار وجد أن هناك استحالة أن يرتكبها المتهم بهذا الكم في هذا الوقت.
* ويؤكد المستشار محمد عيد سالم المستشار الفني لرئيس محكمة النقض أن القاضي يحكم بما انتهت إليه عقيدته ومدي اطمئنانه لأدلة الدعوي المطروحة عليه وإلي أن المسألة ليست مجرد هوي للبراءة أوالادانة وليس مدفوعا تحت تأثير الرأي العام أو المتهم أو العاطفة.
يري سعيد عبدالخالق المحامي بالنقض انه لاصوت يعلو فوق صوت المحكمة وحق الاعتراض علي الحكم متاح بالطعن بالنقض.. أما ثقافة الثأر فهي أسلوب غير حضاري خاصة ان المتهم بريء لأن ما يحدث لا يقبله عقل كما أن الحكم صدر لعدم كفاية الأدلة وإلي الاطمئنان الوجداني للقاضي.
موروثات ثقافية
أكدت الدكتورة ابتسام عطية أستاذ الاجتماع وعميدة الدراسات الإنسانية بنات بجامعة الأزهر سابقا أن الموروثات الثقافية والاجتماعية وخاصة في الصعيد المصري من الصعب للغاية أن تتغير أو تتبدل وهي في حاجة إلي وقت طويل حتي يتغير تفكير أبناء الصعيد بحكم تعلمهم وتجدد ثقافاتهم وهي مسألة تحتاج لمجهود كبير وتراكم هذا المجهود يؤتي ثماره ويساهم في تغيير ثقافة المجتمع الصعيدي.
وأشارت إلي أن تحرك العائلات للأخذ بالثأر علي الرغم من الحكم بالبراءة خاصة في قضية مشابهة لقضية بني مزار هذه بملابساتها الغريبة وأحداثها المثيرة ربما يجعل أهالي الضحايا يبحثون عمن يحملونه مسئولية الحادث فإذا كانت أجهزة الأمن بامكانياتها هذه لم تستطع التوصل إلي الجاني الحقيقي وحملت القضية لمختل عقليا بعد الضغط الكبير الذي تعرض له مسئولو الأمن المصري فما بالنا بأهالي الضحايا الذين ماتوا تلك الميتة البشعة التي ربما يندر أن تحدث بهذا الشكل وهو ما يشكل حتمية لدي الأهالي للأخذ بالثأر حتي وإن كان الجاني لم تثبت ادانته وهذا يدل عليه أن معظم قضايا الثأر نجد الأهالي يأخذون بالثأر من الابن أو الاخ أو الاب رغم انهم لا ذنب لهم في الجريمة ذاتها.
أوضحت انه علي أجهزة الأمن التي وضعت هذا الجاني البريء في هذا المأزق وبراءة القضاء أن تحميه من عاقبة اتهامهم الظالم له.
تزمت جاهلي
* وتري الدكتورة عزة كريم أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية أن ظاهرة الثأر من الجاني رغم أن الحكم ببراءته أمام القضاء بعد مداولات عديدة يرجع في الاساس إلي التزمت الفكري والسلوك الاجتماعي الموحد حيث تتغلب مصلحة الجماعة "العائلة" وتتواري مصلحة الفرد ويبقي الأخذ بالثأر سيد الموقف ولعل الغريب في ذلك هو اندراج متعلمين ومثقفين في هذه القضايا فالمجني عليهم في تلك القضية من بينهم محام وآخرون متعلمون وربما نجد له إخوة وأبناء واخوة متعلمين تعليماً عالياً لكن سيطرة نزعة الثأر تغيب خلفها كل الثقافات ولعل السبب في ذلك الموروث الثقافي الذي نشأ عليه أبناء الصعيد إلا أن حادثة بني مزار ذات طابع خاص حيث عجزت أجهزة عن تقديم الجاني الحقيقي وكان الجميع يتوقع براءة ذلك المختل عقليا الذي قدموه ولنتذكر كيف عجز ذلك المتهم عن تمثيل جريمته في مسرحها ولعل عدم ايجاد الجاني الحقيقي سيبقي سببا في استمرار ذلك البريء في دائرة الاتهام لدي أهالي المجني عليهم وأن تهديد أهالي الضحايا بقتل المتهم رغم براءته ليس بالجديد علي مسرح قضايا الثأر حيث هناك العديد من القضايا التي نجد أهالي المجني عليهم يأخذون بالثأر من المتهم قبل استكمال محاكمته ولعل العلاج يبقي بان نكرس احترام القانون فيما بيننا وأن نعلم الأبناء في المدارس كيف ان حكم القضاء أمر فصل يجب ان يقدر ويحترم.
مخالفة للشرع
* يشيردكتور محمد المسير أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر إلي أن القاضي حكم ببراءة المتهم حيث لم تثبت عليه الأدلة ومن ثم لا يجوز شرعا ان يعاقب إنسان بلا دليل ولا شهود كما لايحوز لأحد أيا كان أن يعتدي علي إنسان بريء.. وليس هناك ما يستدعي العداء بين هذا الشخص والضحايا كذلك فان الاعتداء علي البريء يعد ظلما وانتهاكا صارخا لحدود الله وحدود الله مرتبطة بالبينات ما لم تثبت النية فلا يقام الحد وحرمة الدماء لها مكانتها الكبيرة في الإسلام ودم المسلم أقدس من الكعبة ولان يخطيء الإنسان في العفو خير من أن يخطيء في العقوبة.
ثم ان الجريمة التي وقعت كانت منظمة ولها أوضاع تخفي علي كثير من الناس فهي ليست مسألة قتل عشوائي لذلك مازال الفاعل خفيا.
أما قضية الثأر فهي مرفوضة شرعا لأنها قد تأخذ البريء والثأر يقع عليه أكثر من عقوبة لأنه لا يقع علي الفاعل وحده ولكن يتعدي ذلك إلي كبراء القبيلة.
ثم ان اقامة الحدود ليست متروكة لعامة الناس فتصبح الأمور فوضي ويكون الخصم هو الحكم لذلك نناشد القضاء تحري الدقة ومواقع النيات ويقوم بتنفيذ القصاص متي توافرت أسبابه وعلي وجه السرعة.
وهنا نؤكد انه لايجوز لأحد أن يعقب علي حكم قضائي إلا من خلال استئناف أو النقض فهناك سلم قضائي يجب اتباعه.
 
 
الصفحة الأولى
مقالات
دين ..ودنيا
الدين يسر
للحق ..وبالحق
حوارات
رياض الفكر
القصص القراني
تحقيقات
دعوة ودعاه
الإسلام حياة
الإعلام أمانة
الشباب أمل
المسلمون في العالم
المؤمنون إخوة
إقتصاد
تراويح
الأزهر منارة العلم
شراب الأرواح
حتى يتبين لهم أنه الحق
الجمهورية
المساء
The Egyptian Gazette
Le Progres Egyptien
حريتي
شاشتي
الكورة والملاعب
العلم
كتاب الجمهورية
   
بيان الخصوصية
Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net