بقلم الشيخ: فوزي أحمد عباس إمام وخطيب بأوقاف قوص قنا
إن العلم حياة النفوس وسلم الرقي وطريق المجد وما أخذت به أمة إلا سادت ورشدت وما ابتعدت عنه أمة إلا انحدرت وضلت. ولجليل قدره ورفيع منزلته كانت أول صيحة للإسلام تسمو بقدر العلم وتنوه بقيمة القلم فأيقظت الوجود وحركت العواطف والمشاعر وفتحت العيون علي ذلك النور الرباني "اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" فالعلم ركيزة الحجة القوية والمنطق المقبول وقوله تعالي "إنما يخشي الله من عباده العلماء" "سورة فاطر" ويفوز بهذه المنزلة من رحل في طلب العلم وجد في البحث عنه مسترشداً بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم "طلب العلم فريضة علي كل مسلم" ولكن الإنسانية عندما قطعت صلتها بالله واتجهت بعلمها إلي العلو والغطرسة وسلب حقوق الناس تحولت حياتهم إلي جحيم وشقاء ولقد جاء في الأثر "طلب العلم فريضة علي كل مسلم ومسلمة" والعلماء ورثة الأنبياء أنزلهم الله تعالي هذه المكانة العلية التي صانها سلفنا وعرفوا لهم قدرهم ونظروا إليهم علي أنهم صفوة خلق الله وهم الرسل "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" "سورة الزمر" وفيما رواه صاحب كنز العمال إن زيد بن ثابت رضي الله عنه ركب يوماً دابته فأخذ ابن عباس رضي الله عنهما بركابه يقود به فقال زيد تنح يا ابن عم رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال ابن عباس هكذا أمرنا ان نفعل بعلمائنا وكبرائنا فقال زيد ارني يدك فأخرج ابن عباس يده فقبلها زيد وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا" وهكذا كان احترام العلماء وأهل البيت ولنا في ذلك الأسوة الحسنة في توقيرهم.. لقد حكي الشيخ الأشموني ان أستاذه كان يجلس في مكان ما وقد مد رجليه وصادف ان مر الخديوي فلم يأبه ولم يضم رجليه فتعجب الخديوي من أمر الشيخ وأرسل له صرة فيها أموال ليسترضي بها الشيخ لكن الشيخ ردها عليه وقال لحامل الأموال قل للخديوي "لو كان يعلم أنه سيمد يديه ما مد رجليه" علماء زمان كانوا مخلصين للعلم فأخلص لهم العلم وكانوا مصلحين لا يرون شيئاً معوجاً إلا قوموه بخلاف علماء هذا الزمان وجعل الرسول صلي الله عليه وسلم العلم من الأعمال التي يبقي ثوابها موصلاً بعد موت صاحبه فقال فيما أخرج مسلم عن أبي هريرة "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" ويدل علي شرف العلم قوله تعالي لمحمد صلي الله عليه وسلم "وقل رب زدني علماً" لأن الله تعالي أعطي محمداً كل العلوم ولم يأمره بطلب زيادة غير العلم لقد كان الإمام الشافعي رضي الله عنه متوقد الذكاء يتمتع بذاكرة من جوهر كان إذا نظر إلي صفحة الكتاب حفظها من أول نظرة فكان يضع كفه علي الصفحة الآخري حتي لا تتداخل الصفحات في وقت واحد. يقول نظرت إلي امرأة خطأ وفتحت الكتاب فلم أحفظ شيئاً وحاولت القراءة فلم أفقه شيئاً فذهبت إلي أستاذي وكيع ابن الجراح فيقول الإمام الشافعي "شكوت إلي وكيع سوء حفظي فأرشدني إلي ترك المعاصي وأخبرني أن العلم نور ونور الله لا يهدي لعاص" ومن الطرائف ما يقوله القائل للعلماء الذين يقولون ولا يعلمون: يا علماء الأمة يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد.. لهذا كان عمله مطابقاً لما يأمر به وكان هو الأخلاق العظيمة بجسده يمشي بين الناس ويقول أبوالأسود الدؤلي ليس شيء أعز من العلم الملوك حكام علي الناس والعلماء حكام علي الملوك.. أخوة الإيمان والإسلام أعلموا علم اليقين ان الإسلام في حالة حرب شعواء من أعدائه.. اعلموا هذا فما طريق الصلاح والإصلاح طريق الاستقامة والإصلاح هو ما رسمه نبي الرحمة محمد صلي الله عليه وسلم عندما قال "اثنان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدا فسدت الأمة العلماء والأمراء" العلماء ينصحون والأمراء ينفذون فإذا تحول العالم إلي منافق وتحول الأمير إلي مستمع ومقتنع بالنفاق فاعلم بأن طريق الإصلاح مسدود لا يوصل.