هجرة .. وهجرة
بقلم الشيخ : فريد صالح عباس
مفتش أول المساجد بأوقاف الاسماعيلية
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوي. فمن كانت هجرته إلي الله ورسوله فهجرته إلي الله ورسوله. ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلي ما هاجر إليه".
ولقد بينت كتب السنة وغيرها ان السبب في ورود هذا الحديث انه كان من بين المهاجرين مهاجراً يدعي "مهاجر أم قيس" حيث خرج من بيته ليس لله ولا لرسوله إنما طمعاً في الزواج من "أم قيس" التي كان يحبها ويرغب في الزواج منها.
فأين هذه الهجرة من هجرة الصحابي الجليل "صهيب الرومي" الذي دل مشركي مكة علي ماله كله ساعة ارادوا منعه من اللحاق برسول الله - صلي الله عليه وسلم - وصحبه رضي الله عنهم بمكة.
فأنزل الله فيه قرآناً يتلي إلي يوم الدين ليكون آية وعلامة للأولين والأخرين علي صدق ايمانه وإخلاصه في هجرته وأنه لا يبتغي بها إلا وجه الله ومرافقة حبيبة "محمد" ومصطفاه.
قال تعالي: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد" وقال له الحبيب - مبشراً "زبح البيع أبا يحيا".
وأين هذه الهجرة من هجرة الصحابي الكريم "جندب بن ضمرة" الذي خرج من بيته - علي كبر سنه وكهولته ومرضه وشيخوخته - مهاجراً إلي الله وإلي رسول الله فوافاه أجله في الطريق بين مكة والمدينة في موقع يقال له حتي اليوم "التنعيم".
فخاض في حقه الخائضون واستهزأ به المستهزئون فقالوا: "ويح جندب لا هو بلغ الذي يريد. ولا هو أقام في أهله فمات بينهم فجهزوه ودفنوه" فرد عليهم القرآن أبلغ رد وألقمهم ما يخرس ألسنتهم إلي يوم يبعثون حيث قال الله - عز وجل -: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلي الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره علي الله وكان الله غفوراً رحيماً".
هذا وان حديث "إنما الأعمال بالنيات" يقرر ان قبول الطاعات يتوقف أساساً علي الاخلاص لله - عز وجل - القائل: "فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص" والقائل: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة فالنية أساس العبادات في الإسلام.