الإحسان .. التوبة .. قيام الليل
من الثوابت الإيمانية: الإحسان إلي الناس.
نري كثيراً من الناس لا تظهر عليهم علامات الجود والكرم إلا في رمضان فقط. فإذا ما انتهي رمضان لا تجد إلا العبوس في وجه الفقراء ولا نجد إلا البخل والشح ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد من الله عليك بالإنفاق علي الفقراء والمساكين وكثير من أوجه الخير في رمضان فهلا عودت نفسك علي الإنفاق حتي ولو بالقليل.
ففي الصحيحين من حديث عدي أن الحبيب النبي صلي الله عليه وسلم قال: "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه. ليس بينه وبينه ترجمان. فينظر أيمن منه فلا يري إلا ما قدم. وينظر أشأم منه فلا يري إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يري إلا النار تلقاء وجهه. فاتقوا النار ولو بشق تمرة".
فالإحسان من الثوابت الإيمانية التي لا يستغني عنها مؤمن في رمضان وغير رمضان حتي يلقي ربه جل وعلا.
ومن الثوابت الإيمانية أيضاً: قيام الليل.
في رمضان وفقت بفضل الله ورحمته ومنته إلي صلاة التراويح والقيام فلماذا لا تستمر علي هذا الدرب المنير؟.. لماذا تضيع القيام بالليل..؟
يقول النبي صلي الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الحاكم وابن خزيمة والترمذي وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث أبي أمامة يقول صلي الله عليه وسلم : "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلي الله تعالي ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات".
فاعمل علي أن تكتب من القائمين الليل ولو بركعة واعمل جاهداً أن تكون من أصحاب هذه الآية "تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون" "السجدة: 16".
ومن الثوابت الإيمانية: التوبة.
ما منا أحد إلا وتاب وأناب إلي الله في رمضان. فهل معني ذلك أنه إذا انتهي رمضان انتهي زمن التوبة ولا نحتاج إلي توبة وأوبة إلي الله جل وعلا؟!
وانظر إلي حال الكثير من المسلمين تجد أن الكثير منهم ينفلتون يوم العيد إلي المعاصي والشهوات وكأنهم كانوا في سجن وبمجرد أن تم الإفراج عنهم مغرب اليوم الأخير من رمضان انطلقوا وكأنهم خرجوا من هذا السجن وسرعان ما انكبوا علي أنواع المعاصي والشهوات كجائع انكب علي الطعام من شدة الجوع الذي ألم به. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ذلك ليس بحال المؤمن الموحد. فإن المؤمن الموحد عمره كله عنده عبادة لرب الأرض والسماوات فتجده ينتقل من عبودية إلي عبودية. ومن طاعة إلي طاعة ومن فضل إلي فضل. لذا يجب عليك أن تكون دائما في عبودية حتي تلقي رب البرية. يقول النبي صلي الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
النبي صلوات الله عليه وسلامه يقسم بالله. انه يتوب ويستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. بل وفي رواية مسلم قال "يا أيها الناس توبوا إلي الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة".
هذا حال سيد الخلق أجمعين وإمام المرسلين فما حالنا؟! بالتوبة من الثوابت الإيمانية التي لا غني عنها لمؤمن بعد رمضان. وهذه بعض الثوابت التي نحافظ عليها في رمضان. ويتخلي عنها أكثرنا بعد رمضان. فأحببت أن أذكر نفسي وأحبابي وأخواتي بهذه الثوابت الإيمانية التي لا يستغني عنها مؤمن بحال حتي يلقي رب البرية جل وعلا.
ثانياً: عرفت فالزم.
ذقت حلاوة الإيمان وعرفت طعم الإيمان. عرفت هذا في رمضان. ما منا من أحد صام وقام رمضان وقام ليلة القدر إلا وذاق هذه الحلاوة. حلاوة شرح الصدر وسرور القلب. عرفت فالزم. الزم هذا الضرب المنير. واستقم علي هذا الصراط المستقيم. ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتي تملوا. وإن أحب الأعمال إلي الله ما دوم عليه وإن قل".
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته". أي داوم عليه وحافظ عليه.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي عمرة سفيان بن عبدالله الثقفي أنه قال للنبي "قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك".
قال الحبيب صلي الله عليه وسلم : "قل آمنت بالله ثم استقم".
قل آمنت بالله ثم استقم. أي استقم علي ضرب الإيمان. استقم علي طريق التوبة. استقم علي طريق الاستغفار. استقم علي طريق قيام الليل. استقم علي طريق الإحسان. استقم علي طريق هذه الثوابت الإيمانية التي أعانك الله عليها في رمضان. قال جل وعلا: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون "30" نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون "31" نزلا من غفور رحيم" "فصلت: 30 32".
"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا" قرأها يوماً علي المنبر عمر بن الخطاب فقال: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا" ثم استقاموا علي منهج الله فلم يروغوا روغان الثعالب. والاستقامة هي المداومة والثبات علي الطاعة.
ثالثاً: استعن بالله ولا تعجز من أعانه الله علي الطاعة فهو المعان. ومن خذله الله فهو المخذول لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول لك علي طاعته. ولا قوة لك علي الثبات علي دينه إلا بمدده سبحانه فاستعن بالله ولا تعجز واتقه ما استطعت واطلب المدد والعون من أن يثبتك علي طريق طاعته وعلي درب نبيه صلي الله عليه وسلم وتدبر وطيته لمعاذ بن جبل.
كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل يوماً: "يا معاذ والله إني لاحبك. فقال: أوصيك يا معاذ. لا تدعن في كل صلاة وفي رواية دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"
نعم اطلب العون والمدد من الله علي عبادته سبحانه وأنت إن سلكت هذا الدرب المنير لن يخزك الله أبداً.أليس هو القائل: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" "العنكبوت: 69".
هذا وعد من؟! وعد رب العالمين ورب الكعبة سيصرف الله بصرك عن الحرام. وسيصرف الله قلبك عن الشهوات والشبهات. وسيحفظ الله فرجك من الحرام. وسيصرف الله يدك عن البطش في الحرام. وسيصرف الله قدمك من الخطأ الحرام. فأحسن أيها المسلم الموحد ليكون الله معك فمن توكل عليه كفاه. ومن اعتصم به نجاه ومن فوض إليه أموره كفاه. قال جل في علاه: "أليس الله بكاف عبده" "الزمر: 36".
علق قلبك بالله سبحانه فهو الغني الذي لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية.. وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب: "قدم علي النبي صلي الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسقي. إذا وجدت صبياً في السبي أخذته. فألصقته ببطنها وأرضعته" فقال لنا النبي صلي الله عليه وسلم "أترون هذه طارحة ولدها في النار؟" قلنا: لا وهي تقدر علي أن لا تطرحه. فقال "الله أرحم بعباده من هذه بولدها".
لو تدبرت هذا الحديث لوقفت علي العجب العجاب. لذا قال أحد السلف: اللهم إنك تعلم أن أمي هي أرحم الناس بي وأنا أعلم أنك أرحم بي من أمي. وأمي لا ترضي لي الهلاك أفترضاه لي وأنت أرحم الراحمين؟!!
إنها رحمة الله التي وسعت كل شيء فاستعن بالله ولا تعجز. وإن زلت قدمك عد وأن زلت أخري عد وإن زلت للمرة الألف عد.. واعلم بأن الله لا يمل حتي تملوا نحن عبيده هو الذي خلقنا ويعرف ضعفنا وفقرنا وعجزنا لذا لا يريد منا الطاعة وإنما يريد منا العبودية له سبحانه وتعالي.
فالطاعة لك أنت. فهو سبحانه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية ففي صحيح مسلم من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: قال الله تعالي: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا علي أتقي قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا علي أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا"
استعن بالله علي الطاعة. واستعن بالله علي أن تثبت علي هذا الدرب المنير. واعلم يقينا أن من أعظم الأسباب التي تعين العبد علي أن يثبت علي طاعة الله جل وعلا أن يكون وسطا معتدلاً في طاعته لربه. لا غلو في الإسلام ولا تنطع. فخير الأمور الوسط. لا غلو. لا إفراط. لا تفريط. لذا يقول المصطفي صلي الله عليه وسلم "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحدا إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
نعم لقد جمع النبي صلي الله عليه وسلم المنهج الوسط وحوله إلي منهج عملي علي أرض الواقع في هذا الدعاء الرقيق الرقراق الذي رواه مسلم فقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يدعو الله ويقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري. وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي. وأجعل الحياة زيادة لي في كل خير. واجعل الموتا راحة لي من كل شر".
إنه منهج الوسط.. منهج الاعتدال. لقد جمع النبي صلي الله عليه وسلم بكلماته هذه بين خيري الدنيا والآخر لأن من كسب الدنيا بالعمل الصالح كسب الآخرة بإذن الله. ومن خسر الدنيا بالعمل السييء خسر الآخرة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الشيخ : محمد حسان
 
 
الصفحة الأولى
مقالات
أخبار وتقارير
فتاوى
الصفحة الثالثة
حوارات
أهل القرآن
الملف
تحقيقات
الأسرة المسلمة
الإسلام حياة
العين الألكترونية
شباب وجامعات
المسلمون في العالم
المؤمنون إخوة
إقتصاد
كواليس البرلمان
قضايا ساخنة
الصفحة الاخيرة
الجمهورية
المساء
The Egyptian Gazette
Le Progres Egyptien
حريتي
شاشتي
الكورة والملاعب
العلم
كتاب الجمهورية
   
بيان الخصوصية
Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net