* فعلاً يبدو أن هناك بعض المنتسبين ـ وربما كانوا دخلاء الله أعلم ـ إلي التيار الإسلامي أو الحركة الإسلامية يعيشون خارج إطار الزمن والواقع الذي نعيشه.. ففضلاً عن سوء التقدير والقراءة المغلوطة للواقع.. فإن هناك قدرا كبيرا من افتقاد القدرة علي مواجهة الألاعيب السياسية والتعامل بحكمة مع المطبات المصنوعة لهم والحفر العميقة والشراك الخداعية لتوريطهم إزاء عدد من القضايا الجدلية والخلافية علي الساحة..
والأخطر من ذلك تلك الرعونة التي سقط فيها البعض مؤخراً باسم إنكار المنكر ومواجهته بطريقة شرعية.. باسم تطبيق الشريعة.. ويعتقدون أنهم بذلك يخدمون الدين ويقيمون رايته ويتوهمون أنهم بذلك يضعون لبة في مشوار أو حلم تطبيق الشريعة الإسلامية.
والحقيقة أن هؤلاء وأمثالهم لا يدركون أو ربما لا يريدون أن يدركوا أنهم بذلك يكونون أول المخالفين للشريعة والمتعدين علي الحدود الشرعية والمغتصبين لحقوق وسلطات ليست لهم ولم يخولهم أحد إياها.. سلطات لا علاقة لها بالأفراد إنها سلطات خاصة بالحاكم بالنظام القضائي بسلطة الشرطة والأمن في المجتمع.
إنهم بذلك الاجتراء علي السلطة العامة باسم الإسلام وشريعته قد أساءوا للإسلام والشريعة من ناحية أنه لم يأمرهم كأفراد بانتزاع سلطة أحد ومن ناحية إسهامهم في تقديم أسلحة سهلة وجاهزة للمتربصين بالإسلام والمسلمين وبذلك فهم جعلوا من أنفسهم وقوداً سهلاً لمحاربة الإسلام وشريعته.. التي أظهروها بقصد أو عن غير قصد بأنها تدعو للفوضي والهمجية والاعتداء علي الآخرين وإتاحة الفرصة لتصفية الحسابات بأي وسيلة وطريقة تحت ستار وهمي من الشريعة وهذه كارثة كبري..
ويجب أن نشير هنا إلي أن غياب أو ضعف سلطة الأمن وضعف الرقابة وبطء التقاضي ليس علة أو حجة أو ذريعة للتطاول وتنصيب الأفراد أنفسهم مكانها وانتزاع سلطاتها وعقد المحاكمات وتنفيذ أحكام بالقتل أو قطع اليد أو الرجل أو الأذن أو أي عقوبة بدنية أخري ما أنزل الله بها من سلطان..
في اعتقادي وهذا ما أرجحه أن من يقدمون علي تلك الأفعال ويجترءون علي حدود الله والسلطان حتي ولو كان غائباً ـ ليسوا بمسلمين وإنما إناس مدفوعة علي الحركة الإسلامية والتيارات الإسلامية في الفترة الأخيرة للنيل منها وتشويه صورتها مستغلين حالة الانفجار والتيه للتيارات الإسلامية والرغبة المحمومة عقب الثورة في أن يقول الجميع أو يثبت أنه موجود علي الساحة ويشكل قوة لا يستهان بها لي فقط بين التيارات العلمانية أو الليبرالية ولكن حتي بين الإسلاميين أنفسهم.. ولعل هذا ما يسهل مهمة الاختراق واللعب لمن يريدون العبث ومن يرغبون الصيد في الماء العكر..
ليس أدل علي ذلك من أن أي مسلم أو متأسلم أو مقحم نفسه علي الحركة الإسلامية يعلم تمام العلم في باب مقاومة المنكر تلك القاعدة الذهبية التي تؤكد إذا كانت مقاومة المنكر أو إزالته ستؤدي إلي منكر أشد أو إحداث فتنة أكبر.. لا يجب في هذه الحالة إزالة هذا المنكر.
وكل مسلم حتي من غير المتعمق في أمور الدين وبحوره العظيمة قد قرأ تلك الكلمات المبسطة في كتاب الثلاثة رياض الصالحين عن الشروط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي:
الأول: أن يكون الآمر الناهي عالما بحكم الشرع فإن كان جاهلاً فإنه لا يجوز أن يتكلم لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يأمر بما يعتقد الناس أنه شرع الله.. وليس له أن يتكلم بشرع الله إلا بما يعلم فمن منكرات الأمور أن يتكلم الإنسان عن الشيء يقول: إنه معروف وهو لا يدري أنه معروف أو يقول إنه منكر وهو لا يدري أنه منكر.
الثاني: أن يكون عالماً بأن المخاطب قد ترك المأمور أو فعل المحظور فإن كان لا يدري فإنه لا يجوز له أن يفعل لأنه حين إذا قد قفي ما ليس له به علم قال تعالي "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً" الإسراء-.36
الثالث: ألا يترتب عن النهي عن المنكر ما هو أنكر منه فإن ترتب علي ذلك ما هو أنكر منه فإنه لا يجوز من باب درء أعلي المفسدتين بأدناهما..
وقد توقف العلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي عند هذا الشرط المهم ـ عدم خشية منكر أكبر ـ قائلاً: أي ألا يخشي من أن يترتب علي إزالة المنكر بالقوة منكر أكبر منه. كأن يكون سبباً لفتنة تسفك فيها دماء الأبرياء. وتنتهك الحرمات. وتنتهب الأموال. وتكون العاقبة أن يزداد المنكر تمكناً. ويزداد المتجبرون تجبراً وفساداً في الأرض.
ولهذا قرر العلماء ـ والكلام للشيخ القرضاوي ـ مشروعية السكوت عن المنكر مخافة ما هو أنكر منه وأعظم. ارتكاباً لأخف الضررين. واحتمالاً لأهون الشرين.
وفي هذا جاء الحديث الصحيح. أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عهد بشرك. لبنيت الكعبة علي قواعد إبراهيم.."
وفي القرآن الكريم ما يؤيد ذلك. في قصة موسي عليه السلام مع بني إسرائيل. حين ذهب إلي موعده مع ربه. الذي بلغ أربعين ليلة. وفي هذه الغيبة فتنهم السامري بعجله الذهبي. حتي عبده القوم. ونصحهم أخوه هارون. فلم ينتصحوا وقالوا: "لن نبرح عليه عاكفين حتي يرجع إلينا موسي.."
وبعد رجوع موسي ورؤيته لهذا المنكر البشع ـ عبادة العجل ـ اشتد علي أخيه في الإنكار. وأخذ بلحيته يجره إليه من شدة الغضب. "قال يا هارون ما منعك إذ رأيتم ضلوا. ألا تتبعي أفعصيت أمري. قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي..".
ومعني هذا: أن هارون قدم الحفاظ علي وحدة الجماعة في غيبة أخيه الأكبر. حتي يحضر. ويتفاهما معاً كيف يواجهان الموقف الخطير بما يتطلبه من حزم وحكمة..
.. إن تكرار تلك الحوادث أو الجرائم باسم إقامة شرع الله جريمة دينية وأخلاقية.. لا يجب السكوت عنها..
ولعل في هذا إنذارا شديد اللهجة إلي المسئولين وأولي الأمر إن الأمر جد خطير والمسألة تتجاوز المهووسين دينياً أو حماسة أو رعونة شباب منطلق في رحاب الثورة والفوضي.. فقد آن الأوان أن نضع حداً لحالة الفوضي المقيتة والفراغ الأمني غير المبرر وغير المقنع خاصة أن الأمور قد زادت عن حدها من كل الأطراف.. كفانا عبثاً وتخاذلاً.. فمصر هي الخاسر الأكبر والشعب المسكين هو الذي يدفع الثمن ويتضرر من الألم ليل نهار..!!
 
 
الصفحة الأولى
مقالات
أخبار وتقارير
فتاوى
الصفحة الثالثة
حوارات
أهل القرآن
الملف
تحقيقات
الأسرة المسلمة
الإسلام حياة
العين الألكترونية
شباب وجامعات
المسلمون في العالم
المؤمنون إخوة
إقتصاد
تراويح
الأزهر منارة العلم
الصفحة الاخيرة
الجمهورية
المساء
The Egyptian Gazette
Le Progres Egyptien
حريتي
شاشتي
الكورة والملاعب
العلم
كتاب الجمهورية
   
بيان الخصوصية
Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net