دار الإفتاء:
لا تجعلوا من طول الملابس وقصرها فتنة للتطاول علي السنة
* يسأل أحمد حامد: ما حكم إطالة الملابس إلي ما تحت الكعبين للرجل؟ وهل من السنة ارتداء الجلباب القصير بالصورة التي نراها وبشكل غير منظم يسيء لمظهر المسلمين؟
** أجابت دار الافتاء بالآتي: الأصل في لبس الثياب الإباحة لقوله تعالي: "يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوي ذلك خير. ذلك من آيات الله لعلهم يذَّكرون" "الاعراف26" وقد نعي القرآن الكريم علي من حرم التزين بما أحل الله تعالي من الثياب وغيرها فقال تعالي: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون" "الاعراف32" ثم أشار في الآية التي بعدها إلي ارتباط حل ذلك بعدم البغي فقال: "قل إنما حرَّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق" "الأعراف 33" ومن البغي: الكبر الذي بينه النبي - صلي الله عليه وآله وسلم - في قوله: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" فقال رجل: إن الرجل يحب ان يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال صلي الله عليه وآله وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال. الكبر: بطر الحق وغمط الناس" رواه مسلم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. وبطر الحق: أن يتكبر عنده فلا يقبله. وغمط الناس: احتقارهم.
والنبي صلي الله عليه وآله وسلم يضع الضابط لذلك فيقول: "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وصححه الحاكم من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما وعلقه البخاري. ويؤكد ابن عباس رضي الله عنهما ما يفهم من عموم كلام النبي صلي الله عليه وآله وسلم فيقول: "كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة" أخرجه عبدالرازق وابن أبي شيبة في مصنفيهما وعلقه البخاري ايضا. فهذا يدل علي أن الممنوع من الثياب هو ما كان فيه إسراف أو قصد به الخيلاء. فإذا انتفي هذان الأمران فلا حرج. وقد وردت في ذلك أحاديث منها: قول النبي صلي الله عليه وآله وسلم: "لاينظر الله يوم القيامة إلي من جر ثوبه خيلاء" متفق عليه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. وفي رواية: "إلي من جر إزاره بطرا" متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقوله صلي الله عليه وآله وسلم: "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقوله عليه الصلاة والسلام: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" قال: فقرأها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات. قال أبوذر: خابوا وخسروا. من هم يارسول الله؟ قال: "المسبل. والمنان. والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه. قال الإمام المنذري: "المسبل" هو الذي يطول ثوبه ويرسله إلي الأرض كأنه يفعل ذلك تجبراً واختيالا. أ ه.
وهذه الأحاديث وغيرها محمولة علي من فعل ذلك اختيالا وتكبرا. فالمطلق منها يجب تقييده بالاسبال للخيلاء كما قال الإمام النووي. وقد نص الإمام الشافعي علي الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء. وعقد الأمام البخاري في صحيحه بابا لذلك سماه "باب من جر إزاره من غير خيلاء" وأورد فيه حديثين: حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلي الله عليه وآله وسلم قال: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" قال أبوبكر: يارسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه. فقال النبي صلي الله عليه وآله وسلم: "لست ممن يصنعه خيلاء" وحديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: خسفت الشمس ونحن عند النبي - صلي الله عليه وآله وسلم فقام يجر ثوبه مستعجلا حتي أتي المسجد. وثاب الناس فصلي ركعتين. فجلي عنها. ثم أقبل علينا وقال: ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله. فإذا رأيتم منها شيئا فصلوا وادعوا الله حتي يكشفها أ.ه وهذان الحديثان صريحان في أن الإسبال المحرم إنما هو ما كان علي جهة الكبر والخيلاء. وما لم يكن كذلك فليس حراماً. لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. إلا أن من السنة ألا يكون الثوب أسفل من الكعبين لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: مررت علي رسول الله - صلي الله عليه وآله وسلم وفي إزاري استرخاء. فقال: "ياعبد الله ارفع إزارك". فرفعته. ثم قال: "زد" فزدت. فمازلت أتحراها بعد. فقال بعض القوم: إلي أين؟ فقال: أنصاف الساقين. رواه مسلم وسنة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أولي بالاتباع علي كل حال.
وقد جعل الشرع الشريف للعرف مدخلا في اللبس والهيئة فيما لا يخرج عن الإطار الشرعي. ونهي النبي - صلي الله عليه وآله وسلم - عن ثوب الشهرة الذي يلبسه صاحبه مخالفاً به عادات الناس رياء أو كبرا فقال صلي الله عليه وآله وسلم: "من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة" رواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما وحسنه الحافظ المنذري وتحدث العلماء عما إذا حدث للناس اصطلاح بتطويل بعض أنواع الثياب وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به وأن ما كان من ذلك علي طريق العادة فلا تحريم فيه. وإنما المحرم منه ما كان علي سبيل الخيلاء.
وينبغي للمسلم المحب للسنة أن يكون مدركاً لشأنه عالماً بزمانه وأن يحسن تطبيقها بطريقة ترغب الناس وتحببهم فيها فلا يكون فتنة يصدهم عن دينهم. وأن يفرق فيها بين السنن الجبلية وسنن الهيئات التي تختلف باختلاف الأعراف والعادات وغيرها من السنن. وأن يعتني بترتيب الأولويات في ذلك فلا يقدم المندوب علي الواجب ولا يكون اعتناؤه بالهدي الظاهر علي حساب الهدي الباطن وحسن المعاملة مع الخلق وأن يأخذ من ذلك بما يفهمه الناس وتسعه عقولهم وعاداتهم حتي لا يكون ذريعة للنيل من السنة والتكذيب بها كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه: "حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون. أتحبون أن يكذب الله ورسوله!" رواه البخاري وغيره. وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" رواه مسلم.